كشف تقرير تحليلي حديث أصدره المعهد المغربي لتحليل السياسات أن ورش تعميم الحماية الاجتماعية بالمغرب حقق مكاسب كمية مهمة بوصول نسبة التغطية الصحية إلى 88 بالمائة، إلا أنه لا يزال يواجه مخاطر حقيقية تتعلق بـ “التعميم الاسمي” وضعف فعلية التمتع بالخدمات على أرض الواقع.
وأوضح الباحث عبد الرفيع زعنون في التقرير الصادر في يوليوز 2026، أن القانون الإطار رقم 09.21 شكل منعطفا جوهريا في مسار الانتقال نحو “الدولة الاجتماعية”، مشيرا إلى أن تداعيات جائحة كوفيد 19 عجلت بمساءلة المقاربات القديمة وفتحت نافذة السياسات لمراجعة جذرية لشبكات الأمان الاجتماعي بالمملكة.
وسجلت معطيات التقرير تمكين ما يقارب 4 ملايين أسرة من تحويلات مالية مباشرة، وتضاعف ميزانية قطاع الصحة خلال الفترة بين 2021 و2025، مع إرساء منظومة استهداف رقمية متطورة عبر السجل الاجتماعي الموحد، وهو ما ساهم في حصر مستحقي الدعم وتدعيم التكامل بين مختلف المتدخلين في البرامج الاجتماعية.
واستدرك المصدر ذاته بالتأكيد على وجود هوة واسعة بين الرهانات المعلنة والمنجزات المحققة، واصفا الوضع الحالي بكونه يواجه عوائق تدبيرية وقصور في التشريعات واختلالات في الهندسة المالية، حيث لا يزال حوالي 3.5 ملايين شخص مسجلين في أنظمة التأمين يوجدون في وضعية “حقوق مغلقة” بسبب عدم القدرة على أداء الاشتراكات أو نقص مدة التصريح.
وكشفت الوثيقة البحثية عن استمرار العجز البنيوي في الموارد البشرية الطبية، حيث يظل مؤشر الكثافة في حدود 8 أطباء لكل 10 آلاف مواطن، وهو ما يقل بكثير عن المتوسط العالمي المطلوب، في وقت تعاني فيه بعض الجهات من “فوارق مهولة” في توزيع العرض الصحي، حيث تقطع 55 بالمائة من الساكنة القروية أكثر من 5 كيلومترات للوصول إلى أقرب مركز صحي.
وأضاف الباحث في سياق رصده للتحديات، أن نفقات الأسر المباشرة على الصحة لا تزال تشكل حوالي 50 بالمائة من إجمالي الإنفاق، مما يثقل كاهل المواطنين المؤمنين ويناقض فلسفة الحماية الاجتماعية التي تهدف إلى تقليص “التحمل الذاتي” للمصاريف العلاجية، خاصة في ظل عدم مراجعة التعريفة الوطنية المرجعية.
وأشار التقرير إلى أن ورش تعميم التعويضات العائلية واجه بدوره بعض التعثرات المنهجية، حيث أن مليون ونصف طفل لا يزالون خارج دائرة الاستفادة من التحويلات النقدية، كما انتقد ما وصفه بـ “خوارزميات التقشف” في السجل الاجتماعي الموحد، والتي قد تؤدي إلى إقصاء أسر هشة بسبب معايير تقنية لا تراعي واقع الفقر متعدد الأبعاد.
وحذرت الدراسة من تحديات الاستدامة المالية للمشروع، لاسيما مع لجوء الحكومة إلى “قروض التمويل” من المؤسسات الدولية، مما يثير تساؤلات حول مدى ارتهان السياسات الاجتماعية لمتطلبات التوازنات الماكرو-اقتصادية والنزعات النيوليبرالية التي قد تضغط لتقليص حجم التدخل الاجتماعي للدولة في المستقبل.
وخلص التقرير إلى ضرورة مراجعة التشريعات الحالية وضمان استقلال الهيئات التنظيمية مثل الهيئة العليا للصحة والوكالة الوطنية للسجلات، مؤكدا أن نجاح التجربة المغربية رهين بالانتقال من “الحق في التسجيل” إلى “الحق في الولوج الفعلي”، وهو ما يتطلب استراتيجية وطنية متكاملة تزاوج بين الشمولية والاستدامة المالية وتجويد الأثر الميداني على حياة المواطنين.
المصدر:
العمق