هبة بريس
ناقش الباحث رشيد بوهدوز، الأربعاء، بالكلية متعددة التخصصات بالناظور، رسالة لنيل دبلوم الماستر في الدراسات النقدية في الأدب الأمازيغي، اختار لها موضوعاً يربط بين النقد الأدبي والذكاء الاصطناعي، من خلال دراسة مقارنة بين القراءة البشرية والتحليل الآلي في الأدب الأمازيغي.
وحملت الرسالة عنوان: “النقد الأدبي والذكاء الاصطناعي: دراسة مقارنة بين القراءة البشرية والتحليل الآلي في الأدب الأمازيغي، رواية Tudart dg Undr لمحمد بوزكو نموذجاً”، وأنجزت تحت إشراف الدكتور عبد الله أزواغ.
ويتناول البحث أحد الأسئلة الراهنة في علاقة اللغات قليلة الموارد بالذكاء الاصطناعي، من خلال اختبار قدرة الأدوات الرقمية والنماذج اللغوية الكبرى على التعامل مع نص أدبي أمازيغي مكتوب بتاريفيت، ومحمّل بالرمز والذاكرة والسخرية والوصمة والخصوصيات الثقافية المحلية.
ولم يقتصر العمل على استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل النص، بل سعى أيضاً إلى تهيئة المتن الأمازيغي الريفي للمعالجة الآلية، عبر بناء سلسلة معالجة خوارزمية تساعد على تجاوز تشتت بعض الصيغ المحلية، وتصحيح عدد من الاختلافات الناتجة عن المسح أو الكتابة، وربط المتغيرات اللغوية بسياقها، بما يسمح للأداة الرقمية بالاقتراب من النص دون إلغاء خصوصيته.
وانطلق الباحث من سؤال مركزي يتعلق بحدود التحليل الآلي أمام النصوص الأدبية؛ إذ لا يتعلق الأمر، وفق تصور الرسالة، بمجرد عدّ الكلمات أو استخراج التكرارات، بل باختبار قدرة الآلة على الاقتراب من المعنى حين يتجاوز ظاهر الألفاظ، ويتصل بالذاكرة الجماعية والسياق المحلي ووظيفة العلامة داخل الحكاية.
واعتمد بوهدوز رواية Tudart dg Undr للكاتب محمد بوزكو نموذجاً تطبيقياً، بالنظر إلى ما تحمله من كثافة رمزية وثقافية مرتبطة بالقبر والموت والمدينة والكتابة والذاكرة واستعادة حق الكلام، وهي عناصر جعلت الرواية فضاءً مناسباً لاختبار المسافة بين ما ترصده الآلة من مؤشرات لغوية وما تؤوله القراءة البشرية من معانٍ عميقة.
واشتغل البحث على عينة من 150 وحدة نصية، من خلال محكات نقدية إجرائية شملت الرمز والانزياح الدلالي، والسخرية والمفارقة التداولية، والفعل الكلامي والشرعية التلفظية، والكرونوتوب والميتاسرد وثقوب الصمت، ثم السياق الثقافي المحلي والحمولة التداولية.
كما قارن الباحث بين القراءة البشرية التأويلية ومخرجات التحليل الآلي، في محاولة لرصد مناطق الاقتراب بين الإنسان والآلة، ومواطن الاختزال أو العجز حين يتعلق الأمر بعلامات ثقافية محلية لا تكشف معناها من ظاهر اللفظ.
وتبرز القيمة العلمية للرسالة في كونها جمعت بين النقد الأدبي، واللسانيات، والمعالجة الرقمية، وأسئلة الذكاء الاصطناعي، داخل متن أمازيغي ريفي قليل الموارد رقمياً. وقد أكد الأستاذ المشرف، خلال المناقشة، أن هذا العمل يعد، في حدود اطلاعه، أول رسالة جامعية تتناول علاقة النقد الأدبي الأمازيغي بالذكاء الاصطناعي بهذا الشكل المنهجي والتطبيقي.
وخلصت الرسالة إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الناقد في تنظيم المعطيات، ورصد المؤشرات، واقتراح مداخل أولية للتحليل، غير أنه لا يستطيع أن يعوض القراءة البشرية في إنتاج التأويل الأدبي، خاصة حين يتعلق الأمر بالنصوص المحملة بالرمز والسخرية والحمولة الثقافية المحلية.
واقترح الباحث في هذا السياق مفهوم “النقد المعزز”، باعتباره تصوراً يجعل الأداة الرقمية في خدمة القراءة النقدية لا بديلاً عنها؛ بحيث ترصد الآلة وتنظم وتقترح، بينما يحتفظ الإنسان بمسؤولية الفهم والتعليل والحكم التأويلي.
ونوه أعضاء لجنة المناقشة براهنيّة الموضوع وجرأة اختياره، وبالقيمة العلمية للقسم التطبيقي، معتبرين أن العمل يفتح أفقاً بحثياً جديداً داخل النقد الأدبي الأمازيغي، ويربطه بأسئلة الإنسانيات الرقمية والذكاء الاصطناعي. كما دعا أعضاء من اللجنة إلى تنقيح العمل وإعداده للنشر، بالنظر إلى جدته وقيمته العلمية وما يمكن أن يضيفه إلى المكتبة الجامعية والوطنية في مجال الدراسات الأمازيغية الرقمية.
وتشكلت لجنة المناقشة من الدكتور محمد اليوسفي رئيساً، والدكتور عبد الله أزواغ مشرفاً، والدكتور جواد الزوبع عضواً، والدكتور فريد أمعضيشو عضواً.
وبعد المناقشة والمداولة، أعلنت لجنة المناقشة قبول الرسالة ومنح الباحث رشيد بوهدوز دبلوم الماستر في الدراسات النقدية في الأدب الأمازيغي بميزة مشرف جداً، في تتويج لمسار بحثي وُصف خلال المناقشة بالريادي داخل حقل النقد الأدبي الأمازيغي والإنسانيات الرقمية.
المصدر:
هبة بريس