لم يكن إقصاء المنتخب الوطني المغربي يوم أمس الخميس من ربع نهائي مونديال 2026 في المباراة التي التي جمعته مع فرنسا على أرضية ملعب جيليت بمدينة بوسطن الأمريكية، مجرد خسارة كروية عابرة في سجلات المستطيل الأخضر، بل كان صدمة أعادت نكء جراح نفسية وتاريخية غائرة.
ففي الوقت الذي كان فيه المغاربة، من طنجة إلى الكويرة، يترقبون بشغف جارف أن يكسر “الأسود” نحس مواجهة فرنسا، وأن يثأروا لملحمة قطر 2022 التي ضاع فيها حلم المربع الذهبي، استيقظ الجميع على واقع مرير: “عقدة فرنسا” ما زالت تحكم قبضتها الحديدية على طموح النخبة الوطنية، وتكبح جماح تألقها كلما لاح قميص “الديوك” في الأفق.
وما يضاعف من مرارة هذا السقوط المفاجئ، هو أن أسود الأطلس أبهروا العالم طيلة الأدوار الأولى من هذه المنافسات المونديالية؛ حيث بصموا على مسار استثنائي وتاريخي أكد علو كعب الكرة الوطنية. لقد قدمت النخبة المغربية في دور المجموعات والأدوار الإقصائية الأولى أداء لافتا للأنظار، حظي بإشادة واسعة من لدن كبار المحللين ووسائل الإعلام العالمية، بفضل التنظيم التكتيكي الصارم، والاندفاع البدني الرهيب، والروح الجماعية التي جعلت الجميع يرى في المغرب مرشحا فوق العادة للذهاب بعيدا في هذه النسخة من كأس العالم.
بيد أن هذه الصورة المشرفة تلاشت بغرابة في موقعة الأمس. لا أحد يدري حقيقة ما الذي حلّ بالمنتخب الوطني، فقد ظهرت المجموعة بأداء باهت، مشتت، ومفتقد للروح القتالية التي عهدناها طيلة الأدوار السابقة. خفت زئير الأسود وتراجع العطاء الميداني، رغم أن مجريات المباراة وصيرورتها أبانت للمتابعين أن الفوز لم يكن مستحيلا، وأن الفوارق الفنية والتكتيكية للمنتخب الفرنسي كان يمكن تذويبها بالجرأة والإيمان بالقدرة على تحقيق النصر من قلب الميركان.
هذا التراجع الذهني المخيب يطرح علامات استفهام حارقة تدور في خلد ملايين المغاربة، الذين صدموا بالطريقة التي استسلم بها الفريق.وهنا تكمن الغصة الحقيقية، إذ كان من الممكن جدا تفهم الخسارة وتقبلها بروح رياضية عالية، لو أنها جاءت بعد مباراة ملحمية وقتالية يقدم فيها الأسود كل أوراقهم ويستنزفون فيها آخر قطرة عرق على أرضية الملعب.
فالجمهور المغربي يغفر الهزيمة إذا كانت نتاج ندية حقيقية وصراع ضار ضد الخصم حتى الأنفاس الأخيرة، لكن ما آلم الجماهير هو رؤية منتخبها يستسلم ببرود مريب، ويسقط دون أن يستعرض الأسلحة الفتاكة التي أطاح بها بخصومه في المباريات السابقة، وكأن هناك قيدا خفيا كبّل أقدام اللاعبين ومنعهم من القتال.
أمام هذا المشهد المتكرر، يصبح من السطحية بمكان اختزال الأمر في قراءة تقنية لخطط المدرب محمد وهبي الذي تسلم تدريب “الأسود” أشهرا قليلة قبل المونديال أو اللياقة البدنية للاعبين. إننا أمام “عقدة” بنيوية تتجاوز الرياضة لتتمدد عميقا في مساحات السياسة، الاقتصاد، والثقافة.
وهنا تفرض الأسئلة الحارقة التي طرحها المغاربة يوم أمس نفسها بقوة:
• لماذا ننجح في مقارعة كبار العالم ويتعثر حصاننا تحديدا عند عقبة فرنسا؟ كيف لمنتخب يطيح بأعتى المدارس الكروية اللاتينية والأوروبية أن يصاب بالوجل والارتباك بمجرد مواجهة قميص الديكة؟
• ما هي دواعي وأسباب هذا الخوف الزائد وغير المبرر؟ هل للأمر صلة بحسابات السياسة المعقدة وظلال الاقتصاد التي تلزمنا أحيانا بـ “حدود مسبقة” لا نتجاوزها؟
• هل هناك خلفيات ثقافية ما تزال مترسبة في اللاشعور الجمعي؟ خلفيات تجعلنا نقبل مسبقا، ودون وعي، بـ “تراتبية وهمية” تمنح الأفضلية للمستعمر القديم، وتجعل النخبة تتهيب من التفوق عليه علانية؟
إن استمرار هذه العقدة يثبت أن إرث “الحماية” لم ينتهِ برحيل الجنود، ونير الاستقلال عن الجمهورية الخامسة، بل ترك وراءه رواسب نفسية تجعل المواجهة مع فرنسا محكومة دائما بجرعة زائدة من الحذر والتهيب، وكأن الانتصار عليها يمثل خروجا غير مسموح به عن “النظام العام” السائد في مخيلة النخبة.
إن الخوف الزائد الذي أبانت عنه النخبة الوطنية يعكس انفصاما واضحا بين رغبة الشارع الجارفة في التحرر التام والسيادة الكروية، وبين ارتباك القيادة الفنية والذهنية على أرض الملعب. إنها ذهنيا ليست مباراة كرة قدم بل مواجهة مع “المستعمر القديم” الذي يمتلك -في نظر البعض- مفاتيح الشرعية والتفوق.
هذا الحساب الاقتصادي والسياسي الضمني، والترسب الثقافي الذي يرى في فرنسا “النموذج والمقياس”، هو ما يكبّل أرجل اللاعبين ويحجب عنهم الرؤية الواضحة لتحقيق الانتصار المنشود.
لقد آن الأوان للقطع مع هذه التبعية النفسية. إن مواجهة فرنسا يجب أن تُجرد من حمولتها العاطفية والتاريخية الثقيلة لتصبح مجرد مباراة ضد أحد عشر لاعبا يمكن هزيمتهم بالجرأة والخطط المناسبة.
إن تكسير “عقدة ماما فرنسا” لا يبدأ من ملاعب التدريب، بل يبدأ من تحرير العقول والوعي الجمعي، والإيمان الكامل بأننا ندّ لندّ، في السياسة والاقتصاد، كما في الرياضة. وبدون هذه الثورة النفسية الشاملة، سيبقى حصاننا الوطني يتعثر في العقبة ذاتها، وسيبقى زئير الأسود خافتا كلما صرخ الديك الفرنسي.
المصدر:
العمق