رسم تقرير “المهمة الاستطلاعية المؤقتة حول وضعية الطب الشرعي ببلادنا”، الذي ناقشته لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، مؤخرا، صورة قاتمة عن واقع هذا القطاع الاستراتيجي المرتبط بمنظومة العدالة الجنائية وحماية حقوق الإنسان في المملكة.
وفجر التقرير البرلماني الذي اطلعت عليه “العمق”، أرقاما ومعطيات تعكس الهوة السحيقة بين نصوص القانون والواقع الذي تتخبط فيه مستودعات الأموات ومصالح فحص الأحياء في مختلف جهات المملكة، حيث كشف أن المغرب لا يتوفر سوى على 30 طبيبا متخصصا فقط في الطب الشرعي في متم سنة 2025.
ويواجه هذا العدد الهزيل ضغطا كبيرا، حيث أصدرت المحاكم ما يناهز 14,830 أمرا بالتشريح الطبي خلال سنة واحدة؛ مما يضطر المنظومة في كثير من الأحيان للاستعانة بأطباء عامين لا يملكون التخصص الأكاديمي الدقيق.
والأنكى من ذلك، سجلت الوثيقة البرلمانية وجود 10 دوائر قضائية كاملة في المملكة تعيش في فقر مطلق، حيث لا يتوفر بها ولو طبيب شرعي متخصص واحد، مما يضطر السلطات لنقل الجثث لمسافات طويلة بين المدن والجهات في ظروف تخدش كرامة الموتى وتعمق جراح العائلات.
وفي سياق رصده للأسباب المادية الكامنة وراء أزمة القطاع، توقف التقرير البرلماني عند لغة الأرقام الصادمة المتعلقة بالتعويضات المالية؛ حيث أبرزت المعطيات الرسمية المقدمة من طرف مدير الشؤون الجنائية والعفو بوزارة العدل، هشام ملاطي، الهزالة الشديدة في بورصة الأتعاب الممنوحة للأطباء الممارسين للمهام الطبية الشرعية بالمحاكم.
وحسب إفادة المسؤول الوزاري التي وثقها التقرير، فإن أتعاب الطبيب عن القيام بـفحص طبي للأحياء لا تتعدى 30 درهماً، في حين لا يتجاوز تعويض فحص جثة ميت 50 درهماً. أما الإجراء الأكثر تعقيدا وحساسية وهو التشريح الطبي الكامل للجثة، فإن تعويضه متجمد في حدود 100 درهم فقط؛ وهي أرقام موروثة عن مقتضيات تنظيمية قديمة ومصاريف قضائية بالية تكرس الوضعية الطاردة لهذا التخصص.
ولم تقف اختلالات القطاع عند حدود الأموات، بل امتدت لتشمل الأحياء وحقوقهم الأساسية؛ حيث رصد النواب معالجة مئات الحالات المتعلقة بادعاءات التعذيب وسوء المعاملة، بالإضافة إلى آلاف الفحوصات السريرية للمصابين بشتى أنواع العنف، وخاصة العنف ضد النساء.
وشدد التقرير على أن ضعف البنيات التحتية وغياب الاستقلالية التامة للطبيب الشرعي، يهدد مصداقية التقارير الطبية ويجعل الوصول إلى المحاكمة العادلة أمرا محفوفا بالمخاطر، مما يؤثر على التزامات المملكة الدولية و”بروتوكول إسطنبول” المعني بجرائم التعذيب.
وعلى الصعيد الميداني، كشفت زيارات البرلمانيين إلى المراكز الاستشفائية الجامعية في جهة الشرق والدار البيضاء وطنجة عن تفاوت مجالي صارخ ووضعية مزرية لبعض الهياكل، حيث تفتقر مستودعات الأموات لأدنى شروط الكرامة الإنسانية والمعايير العلمية، مع غياب التجهيزات البيولوجية والمخبرية وأدوات التصوير الإشعاعي الحديثة.
وعزا التقرير هذا التدهور إلى تعدد المتدخلين وتشتت المسؤوليات بين وزارات العدل، الصحة، الداخلية، والتعليم العالي، ورئاسة النيابة العامة، مما يحول دون وجود حكامة واضحة تضمن حقوق المتقاضين.
وفي عمق الأزمة، رصدت الوثيقة عزوفا تاما للأطباء الشباب عن ولوج التخصص نتيجة بيئة اشتغال طاردة ومحفوفة بالمخاطر، مقابل هذه التعويضات المالية الهزيلة والمؤطرة بنصوص قانونية بالية تعود لعقود مضت، مما جعل كليات الطب عاجزة عن استقطاب جيل جديد يسد الخصاص الناتج عن التقاعد.
ودعا التقرير البرلماني إلى ثورة تشريعية ومؤسساتية عاجلة، موصيا بمراجعة وتحديث المنظومة القانونية بما يضمن الاستقلالية الكاملة والعلنية للطبيب الشرعي لحمايته من أي ضغوط، وتأهيل مستودعات الأموات وتزويدها بالتكنولوجيا الحديثة والرقمنة لتسريع المساطر القضائية، وإقرار نظام تحفيزي مالي ومهني ثوري يقطع مع أرقام الأتعاب الحالية ويخرج التخصص من غرفة الإنعاش، صوناً لكرامة الموتى وحماية لحقوق الأحياء.
المصدر:
العمق