آخر الأخبار

متحف “الطاهيري” بأرفود.. رحلة في ذاكرة الأرض حين كان الجنوب الشرقي للمغرب قاعا للمحيط

شارك

وأنت تشق طريقك وسط سحر الصحراء بالجنوب الشرقي للمملكة، وتحديدا عند الخروج من مدينة أرفود في اتجاه الريصاني عبر الطريق الوطنية رقم 13، تسترعي انتباهك لافتة تقودك إلى عالم مغاير تماما؛ عالم يعيد الزائر مئات الملايين من السنين إلى الوراء.

هناك، على بعد حوالي 11 كيلومترا من أرفود، ينتصب متحف الطاهيري للمستحاثات والديناصورات، شاهدا على غنى جيولوجي فريد يجعل من المنطقة واحدة من أبرز الفضاءات الطبيعية المفتوحة على ذاكرة الأرض، ويؤكد أن الصحراء ليست مجرد امتداد رملي قاحل، بل أرشيف حي للعصور الجيولوجية السحيقة.

وخلال زيارة ميدانية قادت جريدة “العمق المغربي” إلى هذا الصرح العلمي والثقافي الخاص، الذي يفتح أبوابه مجانا أمام الزوار مع توفير جولات إرشادية، وقفت الجريدة على تشكيلة واسعة من الحفريات والمعادن والنيازك، في فضاء يجمع بين المعرفة العلمية والجذب السياحي، ويقدم للزائر صورة مختلفة عن الجنوب الشرقي للمغرب.

من شغف شخصي إلى فضاء علمي مفتوح

مصدر الصورة

وقال عز الدين خياوي، المسؤول عن المتحف، في تصريح لـ”العمق”، إن فكرة تأسيس هذا الفضاء نابعة في الأصل من شغف شخصي بجمع الحفريات والمستحاثات، قبل أن تتحول، مع نهاية تسعينيات القرن الماضي، إلى مشروع منظم لعرض هذه المكتشفات وتقريبها من العموم.

وأوضح خياوي أن “الفكرة بدأت كهواية وشغف بجمع الحفريات، ومع حلول سنتي 1997 و1998 تبلورت أكثر لتأخذ شكل عرض منظم”، مبرزا أن المتحف تطور بشكل مستمر ليضم اليوم عينات نادرة جُمعت من مختلف مناطق المملكة.

وأكد المتحدث ذاته أن ما يميز متحف الطاهيري هو اعتماده حصريا على مستحاثات وحفريات عُثر عليها داخل التراب المغربي، بما يجعله، وفق تعبيره، واجهة للتعريف بالغنى الجيولوجي الوطني أمام الزوار المغاربة والأجانب.

حين كانت الصحراء مغمورة بالمياه

مصدر الصورة

وتكشف المعروضات داخل المتحف، حسب الشروحات المقدمة للزوار، جانبا مثيرا من تاريخ المنطقة، إذ تؤكد أن أجزاء واسعة من الجنوب الشرقي للمغرب كانت، في أزمنة جيولوجية سحيقة، مغمورة بمياه البحر، قبل أن تتحول عبر ملايين السنين إلى المجال الصحراوي المعروف اليوم.

ويضم المتحف نماذج من ثلاثية الفصوص، المعروفة علميا باسم “Trilobites”، وهي من بين أقدم الكائنات البحرية التي ظهرت في البحار، ويقدر عمر بعض نماذجها بمئات الملايين من السنين. وتنتشر حفرياتها في مناطق عدة من الجنوب الشرقي، من بينها ألنيف، زاكورة، الريصاني، مرزوكة وأرفود، إضافة إلى مناطق أخرى بالمغرب.

كما يعرض المتحف بقايا عظمية لديناصورات عُثر عليها بالمغرب، من بينها ديناصور “الأطلسوروس” الذي ارتبطت اكتشافاته بمنطقة إميلشيل بالأطلس المتوسط، إضافة إلى نماذج مرتبطة بديناصور “السبينوصور”، أحد أشهر الديناصورات التي عرفت بها المنطقة خلال الحقبة الطباشيرية.

ولا تقف المعروضات عند عظام الديناصورات، بل تمتد إلى مستحاثات بحرية متنوعة، من بينها “الأمونيت” ذات الشكل الحلزوني، و”الجاستروبود” أو البطنقدميات، و”البراكيوبود” أو عضديات الأرجل، و”الكرينويد” أو زنابق البحر، وهي كلها شواهد على التاريخ البحري القديم للمنطقة.

نيازك ومعادن تزيد المكان سحرا

مصدر الصورة

وإلى جانب الحفريات والمستحاثات، يضم متحف الطاهيري تشكيلة من النيازك التي عُثر عليها بالمنطقة، إلى جانب معادن نفيسة ومستخرجات محلية، من بينها الفانادينيت، والكوارتز، والكالسيت، وأنواع مختلفة من الجبس، فضلا عن حجر الأميتيست ذي اللون البنفسجي.

وتمنح هذه المعروضات للمتحف بعدا إضافيا، يجمع بين تاريخ الأرض وكنوز السماء، ويحوّل الزيارة إلى تجربة معرفية وبصرية تكشف جوانب غير مألوفة من الصحراء المغربية.

سياحة علمية تنتعش شتاء وتتراجع صيفا

مصدر الصورة

وبخصوص الإقبال السياحي على المتحف والمنطقة، أوضح خياوي أن النشاط يعرف تباينا واضحا حسب الفصول، إذ تتراجع الزيارات خلال الفترة الممتدة من أبريل إلى يونيو بسبب الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، وهي فترة وصفها بـ”الموسم الميت”، قبل أن تعود الحركة السياحية إلى الانتعاش ابتداء من أكتوبر وإلى غاية مارس وبداية أبريل.

وأشار المسؤول عن المتحف إلى أن موسم الذروة يتزامن مع الأجواء الشتوية المعتدلة واحتفالات رأس السنة، حيث تعرف المنطقة إقبالا أكبر من السياح، خصوصا الأجانب المهتمين بالعلوم والطبيعة والتاريخ الجيولوجي.

وقال خياوي إن السياحة الخارجية كانت سباقة إلى اكتشاف هذا النوع من الفضاءات، مبرزا أن “الاهتمام بالعلوم في أوروبا والولايات المتحدة يجعل عددا من السياح الأجانب يقبلون على المنطقة وهم على معرفة مسبقة بقيمتها الجيولوجية”.

واستدرك المتحدث ذاته بأن السنوات الأخيرة بدأت تشهد انتعاشا ملحوظا في السياحة الداخلية، سواء من خلال رحلات جامعية ذات طابع علمي، أو عبر زوار مغاربة يأتون فرادى لاكتشاف ما تزخر به بلادهم من حفريات ومؤشرات نادرة على تاريخ الأرض.

دعوة إلى تثمين الحفريات كرافعة للسياحة الثقافية

مصدر الصورة

وفي ختام تصريحه، وجه عز الدين خياوي نداء إلى المسؤولين من أجل إيلاء مزيد من الاهتمام لقطاع الحفريات والمستحاثات، باعتباره مجالا يوثق لتاريخ المغرب الجغرافي والبيولوجي، ويمكن أن يشكل رافعة مهمة للسياحة العلمية والثقافية.

وقال خياوي: “نحن نعتبر أنفسنا سفراء للمغرب في هذا المجال، ونبذل ما في وسعنا لتقريب هذا العلم من الزوار ومساعدتهم على فهم هذه الثروة الوطنية”، داعيا إلى جعل الحفريات جزءا من السياسات العمومية المرتبطة بالثقافة والسياحة والتعليم.

وأضاف أن الاهتمام بهذا القطاع، إذا بدأ من المسؤولين والمؤسسات، سينعكس بالضرورة على المواطنين، وسيسهم في خلق وعي جماعي بقيمة هذه الثروة، ويفتح المجال أمام نوع جديد من السياحة القائمة على المعرفة والاكتشاف، لا على الترفيه فقط.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا