صادقت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، في قراءة ثانية، على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، وذلك بعد حصوله على تأييد 6 مستشارين، مقابل تسجيل حالة امتناع واحدة، ودون أي تصويت بالرفض.
وتقرب هذه المصادقة مشروع القانون من استكمال مساره التشريعي، بعد أشهر من الجدل الواسع الذي رافق مناقشته داخل المؤسسة البرلمانية وخارجها، خاصة في ظل الانتقادات التي عبرت عنها هيئات مهنية وعدد من المحامين بخصوص بعض مقتضياته.
وشهدت المناقشة دفاعا لافتا من عدد من المستشارين البرلمانيين عن الصيغة التي انتهى إليها المشروع، حيث أكدوا أن مجلس المستشارين مارس صلاحياته الدستورية في إطار التكامل مع مجلس النواب، وليس بمنطق التنافس بين الغرفتين.
واعتبر المتدخلون أن التعديلات التي أدخلها مجلس المستشارين على النص لم تكن تستهدف الانتقاص من استقلالية مهنة المحاماة، وإنما جاءت، بحسبهم، من أجل تجويد المشروع وتحقيق التوازن بين حماية استقلال المهنة وتعزيز مبادئ الشفافية والحكامة.
وشدد مستشارون على أن استقلالية المحاماة، وحصانة الدفاع، والتدبير الذاتي للهيئات المهنية، ظلت من الثوابت الأساسية التي حكمت مناقشة المشروع، مؤكدين أن أي قراءة للتعديلات ينبغي أن تتم في ضوء هذه المبادئ.
وفي ما يتعلق بالجدل حول حساب الودائع، أوضح المتدخلون أن التعديلات المرتبطة بهذا الجانب تهدف إلى تحصين أموال المتقاضين وأتعاب المحامين، دون المساس باستقلالية الهيئات أو مواردها المالية، معتبرين أن الشفافية في التدبير المالي تشكل مدخلا لتعزيز استقلال المهنة وليس العكس.
كما رفض عدد من المستشارين الاتهامات التي وُجهت إلى البرلمان بشأن السعي إلى تجفيف موارد التضامن داخل هيئات المحامين، مؤكدين أن الاقتطاعات المخصصة للأعمال الاجتماعية تتم من أتعاب المحامين، وليس من أموال المتقاضين.
وأوضحوا أن الهدف من هذه المقتضيات هو ضمان استمرارية آليات التكافل الاجتماعي داخل المهنة، بما يسمح بدعم المحامين وأسرهم في الحالات الاجتماعية المختلفة، دون الإضرار بحقوق المتقاضين أو بمبدأ الشفافية في تدبير الأموال.
وفي السياق ذاته، اعتبر متدخلون أن إخضاع حسابات الودائع لآليات رقابية لا يتعارض مع استقلالية المحاماة، ما دام يقتصر على الجوانب المالية والمحاسبية، ولا يمتد إلى ممارسة الدفاع أو السر المهني أو العلاقة بين المحامي وموكله.
وأكد المستشارون أن أي خلاف بشأن دستورية بعض المقتضيات يبقى من اختصاص المحكمة الدستورية، داعين إلى الاحتكام إلى المؤسسات بدل التصعيد أو التشكيك في شرعية العمل التشريعي.
كما دعا المتدخلون إلى تغليب الحوار المؤسساتي واحترام اختلاف وجهات النظر، منتقدين حملات التخوين والتشهير التي رافقت مناقشة المشروع، ومعتبرين أن الاختلاف حول النصوص القانونية لا ينبغي أن يتحول إلى مساس بالأشخاص أو بالمؤسسات.
وشددوا على أن إصلاح مهنة المحاماة يظل جزءا من إصلاح شامل لمنظومة العدالة، بما يفرض تحديث الإطار القانوني للمهنة، وتقوية حكامتها، وصون استقلاليتها، وحماية حقوق المتقاضين في الوقت نفسه.
وتأتي مصادقة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين على المشروع في قراءة ثانية لتفتح الطريق أمام مواصلة المسطرة التشريعية، في انتظار الحسم النهائي في النص داخل المؤسسة البرلمانية.
المصدر:
العمق