واصل مجلس المستشارين، خلال جلسة القراءة الثانية لمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، الدفاع عن التعديلات التي أدخلها على النص، في مواجهة الانتقادات التي صدرت عن بعض النواب وهيئات المحامين، مؤكدا أن هذه التعديلات لا تستهدف تقويض استقلالية المهنة، بل تروم حماية أموال المتقاضين، وترسيخ الشفافية، وتعزيز مبادئ التضامن داخل الهيئات المهنية.
وأكد مصطفى الدحماني، عن فريق التجمع الوطني للأحرار، خلال اجتماع لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، اليوم الثلاثاء، أن الغرفة الثانية تعاملت مع المشروع من منطلق التكامل مع مجلس النواب، وليس بمنطق التنافس أو التفوق المؤسساتي، معتبرا أن المجلسين يشكلان مؤسسة تشريعية واحدة تعمل وفق روح الدستور.
وأوضح الدحماني أن التصويت على مشروع القانون انطلق من الحرص على تكريس المبادئ الجوهرية للمحاماة، وفي مقدمتها استقلالية المهنة، وحصانة الدفاع، والتدبير الذاتي للهيئات، مشددا على أنه “لا محاماة بدون استقلالية”، وأن كل التعديلات التي أقرها المجلس ينبغي قراءتها في ضوء هذا المبدأ.
وبخصوص الجدل الذي رافق المادة المتعلقة بحساب الودائع، أكد المستشار البرلماني أن الهدف من التعديل لم يكن المس باستقلالية الهيئات أو مواردها المالية، وإنما تحصين الودائع باعتبارها تضم أتعاب المحامين ومستحقات المتقاضين، مبرزا أن الشفافية في تدبير هذه الأموال تشكل مدخلا لتعزيز استقلالية المهنة وليس العكس.
ونفى الدحماني أن يكون البرلمان قد سعى إلى تجفيف مصادر تمويل الأعمال الاجتماعية داخل هيئات المحامين، موضحا أن فلسفة النص تقوم على استمرار مبدأ التضامن من خلال الاقتطاع من أتعاب المحامين، وليس من أموال المتقاضين، بما يضمن تمويل الخدمات الاجتماعية لفائدة المنتسبين إلى الهيئات.
من جانبه، دافع خالد السطي، عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، عن التعديل المتعلق بإخضاع حسابات الودائع لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، مؤكدا أن الأمر يتعلق بموقف مبدئي سبق للنقابة أن دعت إليه منذ سنة 2022، بخصوص مراقبة الأموال العمومية والدعم الموجه للنقابات.
وأوضح السطي أن حسابات الودائع، وإن كانت لا تعد أموالا عمومية، فإنها تضم أموال المتقاضين، وهو ما يفرض، بحسبه، وجود آليات رقابية تضمن وصولها إلى أصحابها في الوقت المناسب، نافيا أن يكون الهدف من التعديل المس باستقلالية مهنة المحاماة أو التدخل في ممارسة الدفاع أو العلاقة بين المحامي وموكله.
كما استنكر المتحدث ما وصفه بحملات التشهير التي استهدفت أصحاب التعديل وربطته بحزب العدالة والتنمية، مؤكدا أنه تقدم به بصفته ممثلا للاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، وبعد مشاورات مع عدد من المحامين، شأنه شأن باقي التعديلات التي استندت إلى الاستماع لمختلف المتدخلين.
وشدد السطي على أن الإصلاحات التشريعية الكبرى لا يمكن أن تنجح إلا عبر الحوار المؤسساتي المسؤول، داعيا جميع الأطراف إلى احترام الرأي المخالف، والابتعاد عن الشخصنة والتخوين، وترك الحسم في مدى دستورية بعض المقتضيات للمحكمة الدستورية عند الاقتضاء.
بدوره، عبر محمد بنفقيه، عن فريق التجمع الوطني للأحرار، عن استغرابه من اتهام البرلمانيين بـ”الخيانة” بسبب تصويتهم على المشروع، معتبرا أن البرلمان يمارس صلاحياته الدستورية بالاجتهاد، وأن الكمال غير ممكن في العمل التشريعي.
وأكد بنفقيه أن أكثر ما أثار تحفظه هو الصيغة التي كادت تمنع هيئات المحامين من الاقتطاع من أتعاب المحامين لفائدة صناديق التضامن، مبرزا أن هذه الاقتطاعات تشكل ركيزة أساسية لدعم أسر المحامين المتوفين والحالات الاجتماعية، وتجسد قيم التكافل داخل المهنة.
وتساءل المستشار البرلماني عن جدوى الحديث عن غياب المقاربة التشاركية، في وقت عقدت فيه، بحسب قوله، أزيد من 50 اجتماعا بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين، مؤكدا أن المشروع تضمن تعديلات مهمة عززت استقلالية المهنة وحصانة الدفاع بعد نقاشات مطولة داخل المؤسسة التشريعية.
وشدد بنفقيه على أن مجلس المستشارين يمارس اختصاصاته الدستورية كاملة، وأن من حقه إدخال تعديلات على مشاريع القوانين، معتبرا أن التقليل من دور الغرفة الثانية أو التشكيك في أهليتها التشريعية يمثل مسا بالمؤسسة البرلمانية، وليس مجرد اختلاف في وجهات النظر حول مشروع قانون المحاماة.
من جهته، أكد منسق مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمجلس المستشارين، لحسن نازيهي، أن القراءة الثانية لمشروع القانون تندرج في إطار التعاون والتكامل بين مجلسي البرلمان بهدف تجويد النصوص القانونية، مشيرا إلى أن مجلس المستشارين سبق أن ناقش المشروع باستفاضة داخل لجنة فرعية، وأدخل عليه تعديلات جوهرية استهدفت تحديث الإطار القانوني للمهنة، وصيانة استقلاليتها، وتعزيز دورها الدستوري في حماية الحقوق والحريات.
وأضاف نازيهي أن المحاماة ليست مجرد نشاط مهني، بل ركيزة أساسية في منظومة العدالة، ما يفرض الحفاظ على استقلاليتها، وتحديث آليات الرقابة، وتعزيز الشفافية في تدبير الهيئات المهنية، إلى جانب تنظيم ولوج المهنة والرفع من جودة التكوين.
وشدد المتحدث ذاته على أن نجاح إصلاح مهنة المحاماة يظل رهينا بتحقيق التوازن بين تحديث المهنة واحترام خصوصيتها واستقلاليتها، معتبرا أن إصلاح المحاماة يشكل مدخلا لإصلاح منظومة العدالة ككل، ولا يمكن أن ينجح إلا بالحوار والتوافق.
وثمن نازيهي ما وصفه بالمقاربة التشاورية التي واكبت إعداد المشروع، مستحضرا عقد نحو 50 اجتماعا بين وزارة العدل ومختلف المتدخلين، قبل أن يشيد بسعة صدر وزير العدل في تدبير هذا الورش التشريعي الذي استغرق سنوات من النقاش.
المصدر:
العمق