آخر الأخبار

من قلب صحراء أرفود.. سباق عالمي على النيازك ينعش التجارة ويثير مخاوف تهريب “كنوز الكون”

شارك

تتحول منطقة أرفود وضواحيها، الواقعة بالجنوب الشرقي للمملكة، إلى واحدة من أبرز الوجهات العالمية لاستقطاب الباحثين عن النيازك، بفضل خصوصيتها الجيولوجية واتساع مجالها الصحراوي، اللذين جعلا منها خزانا استثنائيا للأحجار الفضائية النادرة.

وبين الكثبان الرملية والهضاب الصخرية، تنشط حركة دؤوبة للمنقبين والرحل الذين يقطعون مسافات طويلة بحثا عن هذه الصخور القادمة من الفضاء، والتي ينظر إليها العلماء باعتبارها “كبسولات زمنية” تختزن معطيات دقيقة حول نشأة النظام الشمسي وبدايات تشكل الحياة على الأرض.

ورغم القيمة العلمية الكبيرة التي تحظى بها النيازك، فإن النشاط المرتبط بها في المغرب يظل محاطا بإشكالات قانونية وتنظيمية، في ظل استمرار عمليات التهريب نحو الخارج، وغياب منظومة وطنية متكاملة لتثمين هذا التراث الطبيعي وحمايته.

مصدر الصورة

وفي هذا السياق، انتقلت جريدة “العمق المغربي” إلى المنطقة، حيث رافقت عددا من الخبراء والممارسين المحليين للوقوف على واقع قطاع النيازك، واستجلاء التحديات التي تواجه الباحثين والمهتمين بهذا المجال.

وقال عبد الكريم السمغوني، رئيس الجمعية المغربية لهواة وإنقاذ النيازك، إن النيازك ليست مجرد أحجار فضائية، بل تمثل “آية كونية” تتطابق مع أحدث الأبحاث العلمية، لما تختزنه من معلومات دقيقة حول تاريخ النظام الشمسي وتطور مكوناته.

مصدر الصورة

وأوضح السمغوني أن الإقبال على هذا النشاط يعرف توسعا ملحوظا بالمغرب، مشيرا إلى أن معطيات المندوبية السامية للتخطيط تفيد بأن أكثر من 40 ألف مغربي يزاولون التنقيب عن النيازك، مضيفا أن هذا المجال لا يقتصر على البحث عن الربح المادي، بل يتوزع بين ثلاثة أبعاد رئيسية، تتمثل في السعي إلى الثراء، وخدمة البحث العلمي، والحفاظ على تراث وطني يستوجب التثمين والحماية عبر منظومة متكاملة.

وانتقد المتحدث طريقة تدبير هذا الملف بالمغرب، معتبرا أن التشريعات الوطنية لم تستفد بالشكل الكافي من التجارب الدولية الناجحة في حماية هذا النوع من التراث، رغم صدور القانون رقم 33.18 المنظم للقطاع.

مصدر الصورة

وأشار إلى أن الدول الغربية اعتمدت منذ سنوات سياسة تقوم على إنشاء متاحف كبرى ومراكز بحث متخصصة، مثل متحف اللوفر ومتحف التاريخ الطبيعي في باريس ولندن، لتجميع النيازك وصيانتها واستثمارها علميا وسياحيا، بينما لا يزال المغرب، بحسب تعبيره، يفتقر إلى بنية مؤسساتية مماثلة.

وأكد السمغوني أن النيازك التي تسقط فوق التراب المغربي تعد ملكا للتراث الوطني، داعيا إلى إنشاء متاحف وطنية وجهوية متخصصة، وتشجيع البحث العلمي المحلي، بما يمكن المغرب من التحول إلى قطب دولي في مجال دراسة النيازك واستقطاب العلماء والباحثين والسياح، بدلا من استمرار خروج هذه الثروة إلى الخارج.

وفي تقييمه للإطار القانوني المنظم للقطاع، اعتبر رئيس الجمعية أن القانون رقم 33.18 يتضمن عددا من الثغرات التي تعكس، بحسب قوله، محدودية الإلمام بخصوصيات هذا المجال.

وأوضح أن القانون ينص على تسليم 20 غراما من النيزك للوزارة الوصية إذا بلغ وزنه كيلوغراما واحدا، و40 غراما إذا تجاوز هذا الوزن، غير أن الواقع الميداني يختلف، لأن عددا كبيرا من النيازك النادرة لا يتجاوز وزنها 100 غرام أو أقل، وهي حالات لم يستحضرها النص القانوني.

مصدر الصورة

وشدد على أن المهنيين لا يعارضون تقنين القطاع، بل يطالبون بقانون أكثر شمولية وإنصافا، يوازن بين حماية التراث الوطني، وصيانة حقوق المنقبين، وضمان مصالح الدولة.

ورفض السمغوني استعمال مصطلح “صيادي النيازك”، مفضلا وصف العاملين في المجال بـ”منقذي النيازك”، موضحا أن ترك النيزك في الطبيعة يجعله عرضة للتجوية والتآكل، وهو ما يؤدي إلى ضياع معلومات علمية بالغة الأهمية، بينما يساهم العثور عليه ونقله إلى المختبرات والمتاحف في الحفاظ على قيمته العلمية.

وتوقف المتحدث عند الأهمية الخاصة للنيازك الكربونية، التي تشهد طلبا متزايدا من قبل المؤسسات العلمية العالمية، مستشهدا بنيزك “تاردا” الذي سقط سنة 2020 وصنف ضمن فئة C2-ungrouped، إضافة إلى نيزك “الشويشية” المصنف C3، متوقعا أن تكشف الدراسات المستقبلية عن فروع علمية جديدة مرتبطة بهذه الأصناف.

مصدر الصورة

كما أبرز القيمة العلمية لنيزك “واد الشبيكة”، المصنف ضمن فئة CI، والذي أسفرت الأبحاث المنجزة عليه عن اكتشاف مركبات عضوية وعناصر مرتبطة بأصل الحياة، بينها مركبات بروتوجينية وآثار لمكونات وراثية، وهي معطيات يعول عليها العلماء لفهم المراحل الأولى لتشكل الحياة على كوكب الأرض.

واعتبر السمغوني أن المؤسف هو اختزال النيازك في المغرب في بعدها التجاري، مقابل ضعف حضور البحث العلمي الوطني في هذا المجال، رغم ما تزخر به المملكة من عينات نادرة تحظى باهتمام عالمي.

وفي ما يتعلق بظاهرة التهريب، استحضر المتحدث حالة نيزك “الحݣونية”، مؤكدا أن أكثر من 120 كيلوغراما من شظاياه غادرت المغرب نحو بولندا والولايات المتحدة الأمريكية، في غياب رقابة فعالة، وهو ما اعتبره استنزافا لتراث علمي وطني يستوجب حماية أكبر وتطبيقا صارما للقوانين.

من جهته، أكد محجوبي إدريس، وهو أحد الممارسين والهواة بالمنطقة، أن أرفود وضواحيها تعد من أشهر المناطق في العالم التي تستقبل مختلف أنواع التساقطات النيزكية، بما فيها النيازك القمرية والمريخية، فضلا عن عينات نادرة قادمة من أجرام سماوية مختلفة.

غير أنه أشار إلى أن المنقبين المحليين يواجهون أوضاعا صعبة، في ظل غياب أي دعم أو تأطير رسمي، مقابل استفادة وسطاء وتجار يشترون النيازك من المنقبين بأسعار محدودة قبل تهريبها إلى الخارج وتحقيق أرباح كبيرة.

وأضاف أن بعض هذه النيازك تنسب لاحقا إلى مناطق أو دول أخرى، وهو ما يحرم المغرب من الاعتراف العلمي بقيمتها ويؤثر على فرص استثمارها في البحث العلمي والسياحة الجيولوجية.

ودعا المتحدث، السلطات المختصة إلى التدخل العاجل لتنظيم القطاع، عبر وضع آليات صارمة لمراقبة تداول النيازك، وإخضاع كل قطعة مرشحة لمغادرة التراب الوطني لعمليات تدقيق علمية وإدارية، بما يضمن حماية هذا التراث الكوني وتعزيز استفادة المغرب من قيمته العلمية والاقتصادية.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا