عمر المزين – كود////
أكد عبد الرزاق الهيري، مدير المختبر المتعدد التخصصات في الاقتصاد والمالية وتدبير المنظمات، أن الرياضة عموماً، وملاعب كرة القدم على وجه الخصوص، أصبحت في زمن العولمة الذي يتميز بالتشابك والتنافس امتداداً للدبلوماسية الاقتصادية، موضحاً أن الأداء الرياضي لم يعد مجرد إنجاز يُقاس بعدد الميداليات أو نتائج المباريات، بل تحول إلى أداة استراتيجية تعتمدها الدول لبناء صورتها الدولية وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية وتوطيد نفوذها الناعم.
وفي هذا السياق، اعتبر المتحدث، في تصريحات لـ”كود”، أن المغرب يقدم نموذجاً عربياً وإفريقياً بارزاً، بعدما نجح في تحويل ملاعب كرة القدم إلى منصات دبلوماسية، والبطولات الدولية والانتصارات الميدانية إلى رصيد يعزز الصورة الوطنية.
وأوضح أن الوصول التاريخي للمنتخب المغربي إلى نصف نهائي كأس العالم 2022 بقطر شكل منعطفاً دلالياً في مسيرة المغرب نحو بناء صورته الدولية، إذ كشف ذلك الأداء، أمام مئات الملايين من المشاهدين، عن وجه المغرب الحديث المتحول، كبلد يمتلك إرادة المنافسة على أعلى مستوى، ويجمع بين عمق هويته الأصيلة والانفتاح على معايير الكفاءة والاحترافية العالمية.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن هذا التحول انعكس في ارتفاع مؤشر الوعي بالعلامة المغربية، ووجود ارتباط إيجابي بين اقتصاديات القوة الناعمة وتدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة وزيادة الإقبال السياحي على المدى المتوسط.
وأشار إلى أن هذه الدينامية لا تقتصر على النجاحات المتفرقة، بل تستند إلى استراتيجية رياضية ممنهجة بُنيت على مدى عقدين، تجلت في إنشاء أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، وتطوير البنية التحتية الرياضية على امتداد التراب الوطني، واستضافة سلسلة من البطولات القارية والدولية التي أثبتت قدرة المغرب التنظيمية، فضلاً عن وجود لاعبين مغاربة في أكبر أندية العالم، بما يمنح العلامة المغربية حضوراً مستمراً خارج مواعيد البطولات الرسمية.
وأضاف أن التسويق الترابي الرياضي لا يتحقق بمجرد استضافة الأحداث الكبرى، بل يتطلب توظيفاً ذكياً يربط بين المكان والحدث، معتبراً أن استضافة المغرب لكأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال تمثل مشروعاً وطنياً متكاملاً لإعادة رسم صورة المملكة في الأذهان الدولية، وليس مجرد تنظيم لمسابقة كروية.
وأوضح أن المدن المغربية المرشحة لاستضافة المباريات تمتلك هويات ثقافية وسياحية متمايزة، تتيح لكل منها تسويق نفسها بحسب خصوصيتها المحلية، بما يعكس تنوع المغرب وثراءه، معتبراً أن هذا التنوع يشكل ورقة تسويقية قوية، خاصة مع تزامن الحدث مع بلوغ مشاريع إصلاح البنية التحتية ذروتها، من تحديث الموانئ والمطارات وشبكات السكك الحديدية إلى استكمال الطرق السيارة والطرق السريعة الرابطة بين المدن الكبرى، وهو ما يجعل الحدث الرياضي رافعة لمشاريع تنموية.
وأضاف أن قيمة التسويق الترابي المغربي تتجلى أيضاً في قدرته على تجاوز البعد الرياضي نحو توظيف القوة الناعمة الثقافية والسياحة والاستثمار، من خلال إبراز السينما والموسيقى والمطبخ والتراث المعماري، بما يجعل استضافة الحدث فرصة لاكتشاف المغرب، وليس فقط لمتابعة مباريات كرة القدم.
وفي ما يتعلق بالأثر الاقتصادي للنجاحات الرياضية، أوضح أن العلاقة بين الانتصارات الرياضية والاستثمارات الأجنبية موجودة لكنها ليست آلية، بل تبقى مشروطة بعوامل مصاحبة. وأشار إلى أن الأداء الرياضي ينتج ما يعرف بـ”أثر الهالة”، الذي يحسن التصورات الإيجابية للمستثمرين والسياح تجاه البلد، وقد يسرع قرارات الاستثمار أو السفر إذا جرى استغلاله بذكاء، لافتاً إلى أن البيانات المتاحة تشير إلى ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو المغرب بنسبة 55 في المائة خلال سنة 2025 مقارنة بالسنة السابقة.
وأكد أن الأثر الاقتصادي للأحداث الرياضية الكبرى يظل مرتبطاً بضمان بقاء تكاليف الاستضافة في حدود معقولة، وتوجيه الاستثمارات في البنية التحتية لخدمة أهداف تنموية قائمة، ومواكبة الحدث الرياضي باستراتيجية واضحة لتحويل الاهتمام الدولي المؤقت إلى شراكات اقتصادية مستدامة، معتبراً أن التحدي الجوهري أمام المغرب يتمثل في تحويل الزخم الذي ستخلقه بطولة كأس العالم 2030 إلى اهتمام استثماري يمتد لسنوات بعد انتهاء المنافسات.
وختم بالتأكيد على أن ما يميز التجربة المغربية هو أنها تقوم على البناء بالكفاءة، بعدما فاز المغرب باستضافة كأس العالم إثر عدة محاولات امتدت لثلاثة عقود، ما يعكس مساراً طويلاً من بناء الثقة الدولية وتطوير الملفات وتراكم الخبرة التنظيمية.
كمت شدد على أن تحقيق الجاذبية الاقتصادية الكاملة يقتضي أن يكون التسويق الترابي الرياضي مندمجاً مع السياسات الاستثمارية والإصلاحات المؤسسية وتحسين مناخ الأعمال، حتى يجد المستثمر الأجنبي في الواقع الاقتصادي امتداداً للصورة التي تعكسها الملاعب الرياضية.
المصدر:
كود