شهدت كلية العلوم القانونية والسياسية بسطات، السبت 4 يوليوز 2026، مناقشة بحث لنيل شهادة الماستر في قانون الإعلام والاتصال، أنجزه الطالب الباحث والصحافي عبد الصمد ادنيدن، حول موضوع السيادة والدفاع داخل البيئة السيبرانية، في ظل التحولات التي تنقل جزءا من التهديدات الرقمية من استهداف الأنظمة والبنيات التحتية إلى التأثير في الإدراك والثقة والوعي الجماعي.
وحمل البحث عنوان: “السيادة والدفاع داخل البيئة السيبرانية: من الأمن التقني إلى الأمن الدلالي – دراسة نظرية وميدانية للأمن والتحصين الدلالي في الطبقة التفاعلية: المنصة، صانع المحتوى، المتلقي”، وتوجت مناقشته بمنح الطالب الباحث نقطة 18 من 20.
وانطلق البحث من إشكالية مركزية تتعلق بمدى قدرة الاتصال الرقمي الأمني، بشقيه المؤسساتي والمجتمعي، على التحول إلى أداة سيادية للانتقال من الأمن التقني للبنيات التحتية إلى الدفاع الدلالي عن المجتمع، مع إبراز دور العلاقة التفاعلية بين المنصة الرقمية وصانع المحتوى والمتلقي في ردم فجوة الاتصال وتعزيز التحصين الدلالي.
وسعى العمل الأكاديمي إلى مقاربة التحول الذي يعرفه مفهوم الأمن داخل الفضاء السيبراني، من حماية الشبكات والأنظمة والمعطيات، إلى حماية المعنى والإدراك والتمثلات الجماعية، معتبرا أن السيطرة على البيانات وتأمين البنيات المعلوماتية لم تعد كافية وحدها لضمان السيادة الرقمية في ظل تنامي التضليل الرقمي والتأثير في الوعي العام.
واستند البحث، في إطاره النظري، إلى نموذج الباحث مارتن ليبيكي في تحليل الفضاء السيبراني من خلال مستوياته المادية والمنطقية والدلالية، إلى جانب مقاربة مدرسة كوبنهاغن في الأمننة، لفهم كيفية تحول بعض الظواهر الرقمية، عبر الخطاب والتداول، من قضايا تقنية أو تواصلية إلى رهانات تمس الثقة والاستقرار والأمن المجتمعي.
وخصص الباحث حيزا مهما لتحليل الحالة المغربية، من خلال الوقوف عند الهندسة القانونية والمؤسساتية المؤطرة للأمن والسيادة الرقميين، من بينها القانون 09.08 المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، والقانون 07.03 المتصل بالجرائم المرتبطة بأنظمة المعالجة الآلية للمعطيات، والقانون 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني.
كما تناول البحث أدوار عدد من الآليات والمؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها المديرية العامة لأمن نظم المعلومات، ومركز اليقظة والرصد والتصدي للهجمات المعلوماتية “maCERT”، مبرزا أن تحديات السيادة الرقمية لم تعد مرتبطة فقط بحماية البنيات والأنظمة، بل تشمل أيضا حماية المتلقي داخل مجال رقمي عابر للحدود، تهيمن عليه منصات عالمية مؤثرة.
واعتمد البحث منهجا وصفيا تحليليا ذا بعد تفسيري، مع الجمع بين المقاربتين الكمية والكيفية، من خلال دراسة ميدانية شملت عينة قصدية مكونة من 384 مفردة، بهدف رصد تمثلات النخبة المغربية للسيادة الرقمية وطبيعة التهديدات السيبرانية وأدوار الفاعلين داخل البيئة الرقمية.
وأظهرت نتائج البحث استمرار حضور التصور التقني والمعلوماتي للسيادة الرقمية، من خلال ربطها بحماية البيانات والبنيات التحتية، مقابل بروز وعي متنام بوجود تهديدات تتجاوز الجانب التقني، لتشمل الأبعاد القانونية والبشرية والتواصلية والدلالية.
كما خلص البحث إلى أن المتلقي يمثل إحدى أبرز نقاط الهشاشة داخل منظومة الدفاع الدلالي، بالنظر إلى محدودية انخراط جزء مهم من الجمهور في التحقق والتبليغ والمشاركة الواعية، واستمرار تموقعه في كثير من الأحيان داخل منطق استهلاك المحتوى بدل المساهمة في إنتاج أمن رقمي جماعي.
ومن بين النتائج المركزية التي توقف عندها البحث وجود فجوة في الاتصال الرقمي الأمني بين المؤسسات المنتجة للمعلومة والجمهور المستهدف بها، رغم استمرار رصيد مهم من الثقة في المؤسسات الرسمية. واعتبر الباحث أن التحدي لا يكمن فقط في إنتاج المعلومة الأمنية، بل في تبسيطها وإيصالها وتداولها داخل المنصات التي يوجد فيها الجمهور.
واقترح البحث نموذجا مفاهيميا يربط بين الفضاء السيبراني والعلاقة الثلاثية التي تجمع المنصة الرقمية وصانع المحتوى والمتلقي، معتبرا أن المنصة لا تكتفي باستضافة المحتوى، بل تتحكم، عبر الخوارزميات وآليات الإبراز، في شروط ظهوره وانتشاره، بينما ينتج صانع المحتوى الرسالة ويؤطر معناها، في حين يحدد المتلقي نجاح التأثير أو فشله.
وأوصى البحث بتطوير استراتيجية وطنية للتواصل الأمني الرقمي، تقوم على تبسيط الخطاب الأمني وتوسيع انتشاره داخل المنصات الرقمية، وتعزيز التربية الرقمية واليقظة المعلوماتية داخل المؤسسات التعليمية والجامعية، وتوسيع التعريف بآليات التبليغ والتفاعل المؤسساتي.
كما دعا إلى بناء شراكات مستدامة بين المؤسسات الأمنية ووسائل الإعلام، وإشراك الجامعة والمجتمع المدني وصناع المحتوى في جهود التوعية والتحصين الرقمي، وتطوير مقاربات للسيادة الرقمية تجمع بين حماية البنيات التحتية وحماية المجال الإدراكي للمجتمع.
ونوهت لجنة المناقشة براهنية موضوع البحث وبالمجهود العلمي والميداني المبذول، معتبرة أن أهميته تكمن في تجاوزه للطرح التقني التقليدي للأمن السيبراني، وجمعه بين القانون والأمن والاتصال، إلى جانب استحضاره الحالة المغربية ضمن مقاربة نظرية وميدانية متكاملة.
وأكدت اللجنة أن الانتقال المفاهيمي من الأمن التقني إلى الدفاع الدلالي، وتفكيك العلاقة بين المنصة وصانع المحتوى والمتلقي، يمنح البحث قيمة علمية مضافة، خصوصا في ظل تنامي التحديات المرتبطة بالتضليل الرقمي والتأثير في الثقة والوعي الجماعي.
المصدر:
العمق