تعرفت على رواية “تفاصيل الحلم الأخير” للشاعر والأكاديمي المغربي عبد الوهاب الرامي خلال حفل توقيعها بالمعرض الدولي للنشر والكتاب، وكانت فرصة لاكتشاف عمل روائي مختلف يقوم على فكرة “الرواية الورقية التفاعلية”، فمنذ الصفحات الأولى يتبين أن الكاتب يراهن على تجاوز السرد التقليدي من خلال المزج بين الواقعي والتخييلي وبين اليومي والوجودي، جاعلا من الحلم مدخلا لفهم الإنسان والعالم أكثر من كونه وسيلة للهروب من الواقع.
وتتميز الرواية بحضور واضح للأسئلة الوجودية المرتبطة بالزمن والذاكرة والهوية، كما تتسم شخصياتها بعمق نفسي وإنساني يجعلها قريبة من القارئ، ويعتمد عبد الوهاب الرامي لغة ذات نفس شعري وإيحائي تفتح المجال أمام تعدد التأويلات وتمنح المتلقي دورا أساسيا في بناء المعنى، الأمر الذي يجعل من هذا العمل تجربة سردية غنية تتجاوز الحكاية إلى التأمل في تعقيدات النفس البشرية وحدود العلاقة بين الحلم والواقع.
تبدو الرواية وكأنها مجموعة من الحكايات التي تتجاور وتتقاطع وتتباعد أحيانا، لكنها تعود دائما إلى المركز نفسه وهو وسيلة، فالقصة الرئيسية لا تسير وحدها بل يرافقها عدد من القصص التي قد تبدو للوهلة الأولى مستقلة، غير أن القارئ يكتشف مع تقدم القراءة أنها خيوط متشابكة تنسج المعنى العام للرواية، وكأن الكاتب يدعو قارئه إلى عدم التسرع لأن ما يبدو هامشيا في البداية يتحول لاحقا إلى جزء أساسي من الفهم.
يفتتح الرامي عمله بـ “وسيلة” الشخصية الرئيسية للرواية بحكي عنها وعن عملها، ثم ينتقل إلى قصة الفقيه الإبليسي الإبريزي ذلك الرجل الذي قاده سوء تأويله لرؤيا الملك شارلمان العربي إلى السجن قبل أن تنتهي حياته وحيدا داخل زنزانته الباردة، وليست هذه الحكاية مجرد افتتاحية غرائبية بل تبدو بمثابة مرآة خفية لمصير وسيلة نفسها، فالإبريزي سجن خلف القضبان أما وسيلة فقد سجنتها أحاسيسها وخيباتها داخل غياهب ذاتها، وكلاهما عاش عزلة من نوع مختلف وكلاهما كان ضحية ما لم يستطع فهمه أو التصالح معه.
ومن خلال ملامح من حياة وسيلة يكشف الكاتب عن العالم الذي خرجت منه الشخصية الرئيسية، فنعرف إلى عائلتها وإلى البيئة التي ساهمت في تشكيل وعيها الثقافي والجنسي، ولا يقدم الرامي هذه التفاصيل على سبيل الحشو وإنما يجعل منها مفاتيح ضرورية لفهم شخصية امرأة ستبدو في كثير من الأحيان قوية من الخارج لكنها تخفي هشاشة كبيرة في الداخل.
تعمل وسيلة مع أمين في وكالة إشهارية يمتلكانها معا، وتكون العلاقة بينهما عملية بامتياز بلا توتر عاطفي ظاهر، وأمين رجل مثقف محب للشعر واللوحات الفنية لكنه في الوقت نفسه كائن بشري تحركه الرغبة أيضا، وبين هذا الحس الجمالي والنزعة الغريزية تتشكل شخصيته.
أما نوال سكرتيرته فتدخل الرواية بخفة الراقصات، فهي تحب الرقص وتعشق تحية كاريوكا كما لو كانت ترث هذا العشق بالدم، وفي مخيلة أمين تتحول إلى شهرزاد جديدة وتصبح جزءا من عالمه الإعلاني ومن رغباته المؤجلة.
ومن أجمل ما يميز الرواية أن الشخصيات لا تمر مرور العابرين، فكل شخصية يلتقي بها القارئ تحظى بلحظة خاصة يتوقف عندها السارد ليفككها ويكشف طبقاتها الداخلية، ولا أحد هنا مجرد اسم وظيفي.
عندما تنتقل الرواية إلى لقاءات وسيلة برجاء في المطعم المطل على البحر يظهر عادل النادل، لكن الرامي لا يكتفي بتقديمه كنادل يقدم الطلبات بل يفاجئ القارئ بأنه حاصل على الدكتوراه في الفلسفة وأن البطالة هي التي قادته إلى هذا المكان. عادل ابن أنطونيو غرامشي والشيخ إمام يحمل داخله ثقافة أكبر من المهنة التي يمارسها.
وتعود الذاكرة إلى الحاج سليمان جد وسيلة من جهة أمها، وهو الرجل الذي هزم سبعا في رحلة الحج لكنه لم ينتبه إلى سبع آخر كان ينتظره في فراشه، وتلك المفارقة الساخرة التي انتهت بولادة طفل أسود البشرة أشقر الشعر تضيف إلى الرواية جرعة من الطرافة والحكمة الشعبية معا.
وفي المطعم نفسه يمنح الكاتب لعبد الغفور وسامية فرصة للاختلاف، فمن خلالهما يطرح فكرة أن العالم ليس حقيقة واحدة بل روايات متعددة حول الحقيقة نفسها، ويستحضر مثال الرواية الأمريكية والرواية العراقية لحرب العراق وإعدام صدام حسين وكأنه يهمس بأن البشر يعيشون داخل تأويلاتهم الخاصة.
وسيلة التي خرجت من تجربة زواج فاشلة مع خالد بعد خمس سنوات من الحب تحمل داخلها جروحا كثيرة، فقد خرجت من العلاقة بلا أطفال لكن بخسائر عاطفية ثقيلة، لذلك لا يبدو غريبا أن تنظر إلى الرجال باعتبارهم كائنات تحركها الغرائز أكثر مما تحركها المشاعر.
ثم تأتي قصة الحاج عمر وزوجته وهي من أكثر القصص جرأة في الرواية، حيث يتناول الرامي موضوع الفتور الجنسي بعين إنسانية بعيدا عن الأحكام الأخلاقية الجاهزة، وحين يتحول اهتمام الحاج عمر من زوجته إلى معلمتها التي ساعدتها على تجاوز أزمتها يبدو الأمر وكأنه تأكيد جديد على هشاشة الإنسان وتعقيد رغباته.
وفي ملامح من حياة رجاء تظهر الشخصية من خلال صوت أيوب حبيبها السابق، وهنا أيضا يواصل الكاتب عادته في تفكيك الشخصيات من الداخل فلا يكتفي بما تقوله عن نفسها بل يسمح للآخرين بالكشف عن جوانبها الخفية.
شيئا فشيئا تتحول رجاء إلى مركز اهتمام أمين، فهو يعجبه شكل يديها وأناملها وتصبح مصدر إلهامه الجديد حتى إنه يستبدل شهرزاد برجاء داخل نصوصه الإشهارية، وكأن الحب يعيد كتابة كل شيء.
وسط هذا المسار تظهر قصة «نفس راكع» الذي اكتشف خيانة زوجته بطبونة لكنه اختار الغفران لأن الحب كما يقول النص غفار للذنوب، وقد بدت هذه الحكاية امتدادا لفكرة الرواية الأساسية وهي أن الإنسان أكبر من أحكامه المسبقة.
رجاء وهي مطلقة مثل أمين تقترب منه أكثر فأكثر، فيدعوها إلى منزله ويتحدثان عن الرجل والمرأة وعن الحب والجسد والعواطف ثم يكتشفان أن المسافة بينهما كانت أقصر مما ظنا، ويكشف هذا الجزء من الرواية عن معرفة دقيقة بالنفس البشرية وعن كاتب يعرف جيدا كيف تتحرك المشاعر داخل الإنسان.
وفي المقابل ترى وسيلة في منامها أمير البحر جالسا عند طرف سريرها، فتتقرب منه وتتحسسه وكأنها تكتشف أنوثتها هي، ومن هنا يأخذنا الكاتب إلى قصة أمير البحر وحورية البحر «أطلنتيس أمادوس» التي تخلت عن خوفها من البشر من أجل من أحبته، وهي قصة عن الحب بوصفه قوة قادرة على إزالة الأقنعة والخوف.
في الظاهر كانت وسيلة تنزعج من تأثير علاقة أمين برجاء على العمل داخل الوكالة، لكن الحقيقة كانت أعمق من ذلك فقد اكتشفت متأخرة قيمة الرجل الذي كان بجوارها طوال الوقت، وأدركت أنها أضاعت كنزا لم تره إلا بعدما أصبح ملكا لغيرها، ولهذا حاولت أن تغري أمين وأن تدفعه إلى النظر إليها بعين مختلفة غير أن الوقت كان قد تأخر فالقلب الذي اختار لا يعود بسهولة.
وتأتي قصة النخل لتلخص كل شيء، فالحب ليس قرارا عقليا بل كيمياء غامضة تتغير بتغير النخلة أي الأنثى، وأمين هو النخلة الذكر أما وسيلة ورجاء فهما النخلتان اللتان تدور حولهما الرغبة، وفي النهاية كانت رجاء هي من حظيت بالثمرة.
يتضح في الصفحات الأخيرة أن أمير البحر الذي زار وسيلة في حلمها لم يكن سوى أمين نفسه، وعندما غادر أمير البحر غادر أمين أيضا واختار رجاء، وهكذا تحقق الحلم لكن بطريقة مؤلمة.
ومن أجمل اختيارات الأكاديمي الرامي أنه جرد عالمه الروائي من وسائل التواصل الاجتماعي ومن مظاهر الحداثة الرقمية، فلا هواتف تفسد اللحظات ولا رسائل تختصر المشاعر، وكل شيء هنا إنساني وبسيط وهذا ما يمنح العلاقات عمقا أكبر.
تفاصيل الحلم الأخير ليست رواية عن الحب فقط ولا عن الخيانة أو الفقدان، بل هي رواية عن الأشياء التي نكتشفها بعد فوات الأوان وعن الأحلام التي تعرف عنا أكثر مما نعرفه نحن عن أنفسنا، كما أنها رواية تفاعلية بامتياز تمنح القارئ جزءا من المعنى وتترك له مهمة البحث عن الجزء المتبقي.
المصدر:
هسبريس