آخر الأخبار

رحلة البحث عن البذور الأصلية.. سواعد تكد لاسترجاع إرث زراعي يواجه الانقراض (فيديو)

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بعيون فاحصة تلاحظ أدق التفاصيل، وسواعد تكد وجباه تتعرق، وأنامل خبيرة تزرع وتسقي وتعتني قبل أن تحصد الغلة، وملامح منشرحة وثغور تتألق بابتسامات رضا عما تحقق من نتائج على أرض الواقع رغم كل الصعوبات، هكذا يعيش هؤلاء الفلاحون تحديات كل يوم، في سبيل استرجاع بذور كادت تتوارى عن الحقول. سهام وياسر ومحمد والحسين ولبنى وغيرهم، فلاحون حملوا على عاتقهم مهمة استعادة البذور الأصلية والحفاظ عليها، وسخروا ضيعاتهم لذلك.

البداية كانت من بذور موروثة حافظت على خصائصها الوراثية عبر الأجيال، يعاد إنتاجها من موسم إلى آخر دون تهجين صناعي، مما يحافظ على تنوعها وقدرتها على التكيف مع البيئة المحلية، قبل أن تتراجع أمام زحف الأصناف الحديثة. غير أن حكايات جديدة تنسج اليوم في عدد من الحقول، حيث يكرس فلاحون وقتهم وجهدهم وإمكاناتهم الخاصة لإنقاذ ما تبقى من هذا الإرث الزراعي. رحلة شاقة لاستعادة أصناف كادت تنقرض، والبحث عن بذور أكثر قدرة على التأقلم مع التحولات المناخية، في سبيل تحقيق الأمن الغذائي وضمان غذاء جيد ومستدام للأجيال القادمة.

مصدر الصورة

“المنافع المجهولة”

لا تختلف قصة سهام كثيرا عن هذه الحبوب والخضراوات التي تزرعها وتعتني بها كل يوم في ضيعتها بضواحي بنسليمان، فانسجام هذه البذور الأصلية مع التربة والمناخ ومقاومتها للجفاف، يشبه التحام سهام مع التربة، وتحسن مزاجها ونفسيتها وصحتها وصحة أسرتها بالاعتماد كليا في مطبخها على غلة هذه البذور، بحيث تخلصت من نوبات الزكام ومن حساسية الغلوتين، كما شفي ابنها من مرض التهاب اللوزتين دون إجراء عملية جراحية لإزالتهما، كما نصحها الأطباء قبل سنوات.

لم يكن رفض إجراء العملية الجراحية القرار الصعب الوحيد الذي اتخذته سهام، بل إنها قررت مغادرة عملها والعيش خارج مدينة الدار البيضاء، بحيث وجدت ضالتها في ضيعة بضواحي بنسليمان، لكنها قبل ذلك خاضت رحلات مكوكية رفقة أسرتها في القرى والمداشر بمختلف مناطق المغرب، بحثا عن البذور الأصلية، كما شغلت نفسها بقراءة ما كتب حول التاريخ الزراعي بشمال إفريقيا والمغرب.

كانت هذه المرأة تلتقي بالفلاحين المقتنعين بـ”الزريعة البلدية”، وتنصت لهم، سعيا منها لفهم خصائص مختلف البذور المغربية الأصلية ومعرفة النادر والمنقرض منها، كما تجمع ما تيسر لها جمعه من هذه البذور مهما كانت قليلة لإعادة إحيائها، كما حدث لها تماما مع بذور نوع من الذرة، الذي انطلقت في زراعته بسبع حبات فقط. إصرار هذه الفلاحة واهتمامها جعلاها تدون كل كبيرة وصغيرة، ليثمر هذا الجهد كتابا عنونته بـ”الخبز.. المنافع المجهولة”.

مصدر الصورة

تؤكد سهام في حديثها لـ”العمق”، أنها اقتنعت مع الوقت بأن الأكل الحقيقي هو الذي يحترم الموسمية وإيقاع الطبيعة، وبدأت رحلتها مع البذور الأصلية بالشعير والقمح، قبل أن تعثر على صنف نادر من القمح يعرف بـ”أحادي الحبة”، يكاد يخلو من الغلوتين. وفي سنوات الجفاف، راهنت على هذه الحبوب وزرعتها دون أسمدة أو مبيدات، في محاولة لاختبار قدرة الأصناف الأصيلة على الصمود ومقاومة قسوة المناخ، فجاءت النتائج مشجعة.

شكلت هذه السيدة اليوم بنكا متواضعا للبذور، لكنه بالنسبة لها كنز ثمين وذاكرة حية تسعى كل يوم إلى حمايتها، بحيث استطاعت استعادة أصناف نادرة من الحبوب مثل “الإيكورن” و”كريفلة البيضا: تاملالت” و”كريفلة الكحلة: تابرشانت”، إلى جانب “القمح الفرعوني”، كما خاضت تجارب أخرى شملت الشعير الأبيض والأصفر، وأنواعا من الذرة القادرة على التكيف مع التغيرات المناخية. وما زالت تطمح إلى استرجاع عشرات الأصناف الأخرى من الحبوب التي اشتهرت بها منطقة شمال إفريقيا، وهو ما أشارت إليه في كتابها.

لم تتوقف تجارب هذه السيدة عند الحبوب، بل امتدت إلى الخضراوات أيضا، حيث جربت زراعة الجزر الأصفر والأرجواني، واللفت بمختلف أنواعه، والبازلاء والبسباس، فضلا عن أصناف من البطيخ. وبعد سنوات من التجربة والمتابعة، تتحدث اليوم بثقة ورضا عن النتائج التي حققتها، سواء على مستوى جودة المحاصيل، أو على مستوى صحتها وصحة أسرتها.

مصدر الصورة

حكايات من أمزميز

على بعد نحو ثلاثمئة كيلومتر من ضيعة سهام، تتشكل حكاية أخرى بين جبال الحوز. ففي منطقة أمزميز، اجتمع عدد من الفلاحين حول حلم مشترك؛ استعادة ما أمكن من البذور الأصلية التي كادت تختفي من الحقول. بسواعدهم ومعاولهم، وبإيمان راسخ بأهمية حماية هذا الإرث الزراعي، انخرطوا في رحلة جماعية هدفها المساهمة، ولو بخطوة صغيرة، في تعزيز الأمن الغذائي والحفاظ على ذاكرة الأرض… لقاء ونقاش ففكرة، ثم حماس وإيمان توجا بتأسيس جمعية، أعقبهما عمل ومبادرات وتجارب أفضت إلى نتائج مرضية.

يحكي هؤلاء الفلاحون، الذين التقت بهم “العمق” وزارت ضيعاتهم، أن البداية كانت بجمع ما تيسر من البذور الأصلية داخل الإقليم، عبر جولات طرقوا خلالها أبواب العديد من منازل زملائهم، بحثا عما تبقى من هذا الإرث الزراعي، ليتمكنوا من تكوين بنك بذور متواضع، لكنه بالنسبة لهم غنيمة مجزية. وسرعان ما جربوا زراعة ما تحصلوا عليه من بذور، فجاءت الغلة مشجعة؛ أصناف مختلفة من الخضراوات والبطيخ، من بينها الباذنجان والفلفل والجزر والفول والبازلاء.

مصدر الصورة

يقول محمد المحمدي، المهاجر العائد من إنجلترا إلى أمزميز لممارسة شغفه في الفلاحة، إن حنينه إلى تلك المذاقات الأصيلة لبعض المنتجات الزراعية، وروائحها النفاذة التي كانت تسبقها إلى الأنوف قبل أن تراها العيون، ورغبته في تأمين غذاء جيد للأجيال القادمة، والحفاظ على إرث الأجداد؛ هي التي حفزته ودفعته إلى العودة من إنجلترا للاستثمار في الفلاحة.

ويعتمد الفلاحون المنخرطون في هذه المبادرة بشكل كبير على التجربة؛ من خلال جمع البذور واختيارها، ثم زراعتها في مساحات صغيرة، ومتابعة نموها خلال الموسم الزراعي، وجني المحصول عند النضج، وتقييم النتائج من حيث الحجم والمذاق ومقاومة الظروف المناخية، ثم استخلاص الاستنتاجات بشأن جودة الصنف وجدواه.

لا يتوقف شغف المحمدي عند بذور الخضر والفواكه، بل يمتد أيضا إلى النباتات العطرية التي دأب الأجداد على استعمالها، سواء كأدوية أو كمنسمات في المطبخ. لذلك، خصص مساحة لأصناف من الأعشاب البلدية، المعروفة بروائحها النفاذة.

مصدر الصورة

أما ياسر، وهو أيضا عضو جمعية الحوز للمحافظة على البذور الأصلية وواحد من أكثر المتحفزين لمبادرة استعادة البذور الأصلية والحفاظ عليها، فيحكي لـ”العمق”، أنه رفقة زملائه في الجمعية، جربوا زراعة “السلاوي” والباذنجان والفول وأنواعا مختلفة من البطيخ، ويصف النتائج بأنها مشجعة، والمذاقات مختلفة تماما، خصوصا البطيخ الأحمر.

وبين ما أمكن استعادته من بذور، وما ضاع منها إلى غير رجعة، تتواصل حكايات فلاحين يراهنون على إحياء إرث زراعي عريق. حكايات وثقتها عدسة “العمق”، وأخرى كثيرة ظلت بعيدة عن الأضواء، لكنها تنسج الخيط نفسه؛ خيط البحث عن بذور قادرة على الصمود، وعن زراعة أكثر انسجاما مع الأرض والمناخ، وعن مستقبل غذائي أكثر استدامة.

بين بذور استعادت طريقها إلى الحقول، وأخرى ابتلعها النسيان، تتواصل حكايات رجال ونساء اختاروا أن يخوضوا معركة هادئة دفاعا عن ذاكرة الأرض. حكايات التقطت عدسة “العمق” بعض فصولها، فيما بقيت فصول أخرى تكتب بعيدا عن الأضواء، لكنها تلتقي جميعها عند حلم واحد: أن تعود البذور الأصيلة إلى موطنها، وأن تستعيد الأرض ما فقدته، وأن تنال الأجيال القادمة نصيبها من هذا الإرث وتحصل على غذاء جيد ومستدام.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا