هبة بريس – محمد زريوح
في أروقة الكلية المتعددة التخصصات بالناظور، يسود اليوم صمتٌ مشوبٌ بالامتنان لقامة أكاديمية ترجلت عن صهوة المسؤولية. الدكتور “علي أزديموسى”، الاسم الذي اقترن لأكثر من عقد من الزمن بصرح العلم في المنطقة، يطوي اليوم صفحة المهام الرسمية ليفتح كتاباً جديداً من مساره الشخصي، تاركاً خلفه رصيداً من التقدير وتاريخاً حافلاً بالإنجازات التي أحدثت نقلة نوعية في حياة الكلية ومكانتها العلمية.
لم يكن منصب “العميد” بالنسبة للدكتور أزديموسى مجرد موقع إداري، بل كان رسالةً نابضة بحب العلم والوطن. لقد بدأ مسيرته في هذه الكلية كعالم جيولوجيا خبير في طبقات الأرض، ليغادرها وقد ترك بصمته في وجدان أجيال من الطلبة والأساتذة، محولاً المؤسسة من مجرد فضاء تعليمي إلى حاضنة دافئة للطموح الأكاديمي بفضل رؤيته الاستشرافية التي ربطت الجامعة بتحديات التنمية.
لقد شهدت سنوات عمادته كفاحاً صامتاً ودؤوباً، حيث تنقل بين قاعات التدريس وورش التوسعة والتطوير الأكاديمي بنفس العزيمة. لقد قاد تحولاً نوعياً في بنية المؤسسة، مؤمناً بأن الجامعة ليست مجرد شهادات، بل هي “هوية” للمجتمع، فنجح في جعل الكلية المتعددة التخصصات نبضاً للمنطقة، ومنارةً تقاوم الهدر وتنتصر لمعايير التفوق العلمي، فاتحاً أبواب المعرفة أمام أبناء الإقليم والجهة.
عُرف الدكتور أزديموسى بنهج “العميد القريب”، حيث كان باب مكتبه ملاذاً للحلول لا عائقاً للروتين، وجعل من التواضع ممارسة يومية أكسبته احترام الجميع. ويرتبط اسمه اليوم في الذاكرة الجامعية بالرجل الذي استحق لقب “عميد الإنجازات” بامتياز، ليس فقط بما شيده من مرافق، بل بما زرعه في محيطه من ثقة، وما قدمه من دروس في النزاهة والإخلاص في العمل.
وحين يُقرأ مساره العلمي، تظهر رحلة من الشغف بدأت من ثانوية عبد الكريم الخطابي، لتصل إلى منصات البحث الدولية. لم تكن دكتوراه الدولة في الجيولوجيا مجرد درجة علمية، بل كانت أداةً لفهم طبيعة الأرض وسلاحاً فكرياً وظفه لخدمة قضايا البيئة، تاركاً إرثاً غنياً بالبحوث والمشاركات العلمية التي ستظل مرجعاً للباحثين، وشاهداً على مسيرةٍ جمعت بين التميز الأكاديمي والبراعة في الإدارة.
ويعد المشروع الأضخم الذي يحمل توقيعه التاريخي هو تلك الرؤية التي جعلت الكلية تتسع لتصبح قطباً جامعياً يضم أربع مؤسسات. إنها ليست مجرد إعادة هيكلة إدارية، بل كانت طموح مهندسٍ رأى في الناظور صرحاً جامعياً كبيراً، فعمل بصمتٍ لسنوات حتى بات الحلم واقعاً ملموساً يغير وجه التعليم العالي في الإقليم، ويؤسس لمرحلة جديدة من التخصص العلمي والبحثي.
مع إحالته على التقاعد، يُسدل الستار على مرحلة مليئة بالعطاء، حيث يُنظر إلى الدكتور أزديموسى كـ”أب روحي” لم يبخل يوماً بنصيحة أو توجيه. إن خروجه من بوابة الكلية ليس وداعاً لمسيرته، بل هو عبورٌ إلى ذاكرة الأجيال، حيث ستظل إنجازاته شاهدةً على أن الأثر الطيب هو الإرث الحقيقي الذي يخلد أصحابه، ليبقى اسمه حاضراً في سجل الجامعة المغربية كنموذجٍ يُحتذى في الوفاء والعمل.
المصدر:
هبة بريس