كود الرباط//
توصلت “گود” بوثائق حول الميزانيات المخصصة لتنظيم الجامعات الصيفية لفائدة الشباب المغاربة المقيمين بالخارج، واللي تثير تساؤلات حول تطور كلفة هذا البرنامج خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل غياب مؤشرات واضحة على حدوث تغييرات جوهرية في عدد المستفيدين أو طبيعة الخدمات المقدمة.
فحسب المحاضر الرسمية لطلبات العروض المبرمة، انتقلت ميزانية تنظيم هذه التظاهرة من حوالي 3.9 ملايين درهم (وفق التقديرات الأولية لسنة 2024) لتستقر كلفة الصفقة النهائية عند 4,933,538.80 درهم، ثم قفزت سنة 2025 إلى 6,408,680.00 درهم، قبل أن تبلغ ذروتها برسم ميزانية سنة 2026 لتصل إلى 8,362,440.00 درهم. وبذلك تكون التكلفة الإجمالية قد ارتفعت بأكثر من 120% خلال ثلاث سنوات فقط.
وإذ يلاحظ استقرار عدد المشاركين تاريخياً في حدود 320 مشاركاً، وتطابق طبيعة الخدمات في فنادق مصنفة من فئة 5 نجوم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما هي العناصر الجديدة التي تبرر هذه الزيادة الكبيرة في الإنفاق العمومي؟
يكشف تتبع مسار صفقات “تنظيم الجامعة الثقافية لشباب مغاربة العالم” (التي يطرحها قطاع المغاربة المقيمين بالخارج التابع لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي) عن قفزات مالية متتالية تُظهرها المحاضر الرسمية لفتح الأظرفة:
1. دورة 2024 (النسخة 15 بطنجة): بناءً على محضر طلب العروض رقم 06/2024، رَسَت الصفقة على شركة Dania Travel & Events* بمبلغ 4,933,538.80 درهم
2. دورة 2025 (النسخة 16 بالرباط): بناءً على محضر طلب العروض رقم 03/2025، نالت نفس الشركة (Dania Travel & Events) الصفقة بمبلغ ارتفع إلى 6,408,680.00 درهم.
3. دورة 2026 (النسخة 17 بطنجة): بناءً على محضر طلب العروض رقم 03/2026، آلت الصفقة لشركة FATI.COM SARL AU بمبلغ قياسي قدره 8,362,440.00 درهم.
عند احتساب الكلفة النظرية المباشرة لكل مشارك (بالنظر إلى استقرار السقف في حدود 320 مستفيداً)، يتبين أنها انتقلت من حوالي 15,400 درهم للفرد سنة 2024، إلى ما يقارب 20,000 درهم سنة 2025، لتصل إلى حوالي 26,130 درهم سنة 2026. أي أن تكلفة الفرد الواحد تضاعفت تقريباً خلال فترة وجيزة، وهو ما يستوجب تقديم توضيحات دقيقة للرأي العام حول مكونات هذه الميزانية وكيفية توزيعها بين الإقامة، النقل، التأطير، والتواصل.
وتزداد علامات الاستفهام وضوحاً عند مقارنة هذه الزيادات بالتقارير الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط وبنك المغرب، والتي تؤكد استقرار معدلات التضخم في مستويات متدنية تقل عن 2 في المائة، مما ينفي فرضية تأثير غلاء الأسعار العام على بنود الصفقة.
خرق وثائق التخطيط للدولة: لغز الـ1.46 مليون درهم الإضافية
تتجلى المفارقة التدبيرية الأبرز عند العودة إلى الوثائق المرجعية الرسمية المرفقة بـ “مشروع قانون المالية لسنة 2026، وتحديداً وثيقة “نجاعة الأداء” الخاصة بقطاع المغاربة المقيمين بالخارج (البرنامج الإستراتيجي 112 المتعلق بالتعزيز الهوياتي والمواكبة).
ففي الصفحة 51 من هذه الوثيقة الرسمية، تم تحديد الغلاف المالي التوقعي وضبط سقوف نفقات التسيير لبرنامج “مصاريف تنظيم الجامعات الثقافية لفائدة شباب المغاربة المقيمين بالخارج” في حدود 6,900,000.00 درهم كحد أقصى. غير أن الواقع التنفيذي صدم المتتبعين؛ إذ إن الصفقة التي رَسَت رسمياً لتنفيذ نفس البرنامج (رقم 03/2026) بلغت 8,362,440.00 درهم.
هذا الفارق الصارخ الذي يناهز 1,462,440.00 درهم (أزيد من 146 مليون سنتيم) بين ما خططت له الدولة في وثيقة نجاعة الأداء المرفوعة للبرلمان وبين ما تم صرفه فعلياً في الصفقات العمومية، يضرب في العمق دقة التقديرات الأولية ويطرح تساؤلات جوهرية حول حدود الانسجام بين الحكامة الميزانياتية والواقع التنفيذي للوزارة الوصية.
غياب التجزيء وإقصاء المنافسين
في سياق يتسم بضرورة ترشيد النفقات العمومية وضمان حكامة الموارد المالية، يبدو جلياً أن صاحب المشروع (القطاع الوصي) لم يعتمد الحلول القانونية والاقتصادية المتاحة للرفع من جاذبية الطلبية؛ حيث أصر على طرح الصفقة طيلة السنوات الثلاث في صيغة “حصيلة فريدة” (Lot unique).
وتضم هذه الصفقة خدمات متنوعة للغاية يصعب منطقياً وعملياً أن تجتمع في تخصص مزود واحد (إقامة فندقية 5 نجوم، نقل دولي وداخلي، تموين، تأطير بيداغوجي، خدمات تواصلية ولوجستيكية معقدة).
دمج هذه الخدمات في سلة واحدة أدى مباشرة، وفق مصادر گود، أدى إلى تضييق دائرة التنافسية وإقصاء المقاولات الصغرى والمتوسطة المتخصصة، بينما كان تجزيء هذه الصفقة الضخمة إلى صفقات ذات حصص متخصصة ومتعددة (Allotissement) سيؤدي حتماً إلى توسيع المنافسة بين المهنيين (وكالات أسفار، فنادق، شركات تواصل)، وبالتالي خفض الكلفة المادية على خزينة الدولة مع إمكانية الرفع من الجودة وتوسيع قاعدة الشباب المستفيدين.
خيوط الأخطبوط العائلي: إمبراطورية “بلمجدوب” تحت مسميات مختلفة
خلف هذه التسميات التجارية المختلفة للشركات الفائزة بصفقات الجامعات الصيفية، والتي تظهر في المحاضر الرسمية، كشفت التحريات الميدانية وتقاطع البيانات عن معطى مثير يسلط الضوء على بنية الاحتكار الفعلي لهذه الصفقات؛ فجميع الشركات الحائزة على طلبات العروض طيلة هذه السنوات تعود في الأصل لشبكة مصالح عائلية تابعة لـ رجل الأعمال بلمجدوب.
وتوضح المؤشرات التدبيرية أن هذا الفاعل المالي يفرض هيمنة مطلقة على صفقات القطاع، حيث يفوز بالكعكة المالية في كل دورة إما بطريقة مباشرة عبر شركته الأصلية المتخصصة في تنظيم الفعاليات والمحطات اللوجستيكية الكبرى، أو بطريقة غير مباشرة عبر واجهات تجارية وشركات أخرى مسجلة بأسماء أفراد من عائلته ومقربيه. هذا الامتداد العائلي يتيح للمجموعة المناورة داخل لجان فتح الأظرفة بملفات متعددة تبدو في الظاهر مستقلة، لكنها تصب في النهاية داخل حساب بنكي واحد يمتص الملايين من أموال دافعي الضرائب دون منافسة حقيقية
شبهة التوافقات المالية.. “القرعة” لحسم العروض المتطابقة
إن تكرار نفس الأسماء المتنافسة داخل مساطر هذه الصفقات يثير علامات استفهام كبرى حول مستوى المنافسة الفعلية وتكافؤ الفرص. فرغم أن القانون لا يمنع تكرار الترشح، إلا أن المحاضر الرسمية تكشف عن ظواهر تثير الريبة:
أولا/ في صفقة 2024: تم قبول 7 شركات في المرحلة الإدارية والتقنية، ليتم فجأة إقصاء 5 شركات بناءً على تقييم العرض التقني، لتنحصر المنافسة المالية بين شركتين فقط هما Dania TravelوFati Com، وتفوز الأولى بفارق مالي ضئيل.
ثانيا/ في صفقة 2026: بلغت الغرابة التدبيرية ذروتها؛ حيث تقدمت ثلاث شركات فقط للمنافسة، والمثير للصدمة أن شركتين منهما هما (Dania Travel & Events) و (Julia Travel) تقدمتا بـ نفس العرض المالي بالدرهم والسنتيم تقريباً (8,365,980.00 درهم). هذا التطابق الحاد دفع لجنة الصفقة إلى اللجوء إلى “Tirage au sort” (القرعة) لتحديد المرتبة الثانية والثالثة، في حين آلت الصفقة لشركة FATI.COM التي قدمت عرضاً يقل عنهم بـ 3,500 درهم فقط (8,362,440.00 درهم). وهي شركة مملوكة لأحد افراد بلمجدوب.
هذا التشابه والتقارب الكبير في البنيات التدبيرية والعروض المالية المطروحة يطرح الشك حول مدى وجود منافسة حقيقية ونزيهة، أو ما إذا كانت هناك ترتيبات مسبقة تفرغ طلبات العروض العمومية من فلسفتها القانونية.
استحقاق رقابي.. في انتظار قضاة المجلس الأعلى للحسابات
مصادر لها دراية بالصفقات العمومية، قالت لـ”گود” بإن النقاش اليوم لا يتعلق إطلاقاً بمعارضة تنظيم الجامعات الصيفية لفائدة شباب الجالية؛ فهذه المبادرة تظل ذات أبعاد إستراتيجية هامة لتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بوطنها وثقافته ومؤسساته. بل إن النقاش يتمحور بشكل أساسي حول مدى تناسب الكلفة المالية المرصودة مع النتائج المحققة على أرض الواقع، ومدى احترام مبادئ الحكامة والشفافية في تدبير أموال دافعي الضرائب.
وأضافت لـ”گود”: “أن كل درهم من المال العام يجب أن يكون قابلاً للتبرير، وكل زيادة في الميزانية ينبغي أن تستند إلى معطيات موضوعية ملموسة. وفي ظل هذه الأرقام الصادمة والتجاوز الصريح لسقوف وثائق نجاعة الأداء الرسمية للدولة، بات من الضروري فتح افتحاص وتحقيق مستقل من طرف المجلس الأعلى للحسابات للوقوف على نجاعة هذا الإنفاق العمومي وضمان حماية المال العام من الهدر غير المبرر”.
دبا خاص الكاتب العام لقطاع مغاربة العالم، يوضح هاد الشبهات حول صفقات عليها اسئلة كثيرة، ناهيك عن الاحتقان لي كاين دبا فهاد القطاع والتضييق على الأطر الإدارية.
المصدر:
كود