رسمت بيانات الحسابات الوطنية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط ملامح الوضعية الاقتصادية للمغرب في الفصل الأول من 2026، باسطة “قراءة مزدوجة” تجمع بين مؤشرات إيجابية مدفوعة بالطلب الداخلي، وأخرى تدعو إلى الحذر جراء تراجع وتيرة الاستثمار والأنشطة غير الفلاحية، وفق محللين اقتصاديين.
ويرى زكريا فيرانو، أستاذ علوم الاقتصاد بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن النقطة الأساسية في التقرير تتجلى في استقرار معدل النمو الإجمالي تقريباً عند 4.6%، مقارنة بنحو 5% في الفترة نفسها من العام الماضي.
واستحضر فيرانو، ضمن تصريح لجريدة هسبريس، أن هذا “الاستقرار يخفي تحولاً بنيوياً في بنية النمو، إذ تباطأ الإنتاج غير الفلاحي بشكل حاد من 4% إلى 2.6%، في حين انتعش القطاع الفلاحي بقوة محققاً نمواً تجاوز 18%”. ويقود هذا التباين إلى استنتاج جوهري بأن القيمة المضافة الفلاحية مازالت مكوناً متقلباً وحيوياً يعوّض ضُعف القطاعات الأخرى، وإن كان هذا الانتعاش يحمل طبيعة مناخية بحتة ترتبط بتحسن التساقطات بعد مواسم جفاف متتالية، وليس نتيجة قفزة هيكلية في الإنتاجية.
وفي تفكيكه للناتج المحلي الإجمالي غير الفلاحي يعزو أستاذ علوم الاقتصاد الانخفاض إلى “تباطؤ القطاعات الثانوية وعودتها إلى مستوياتها الطبيعية”؛ فقد شهد قطاع الصناعات الاستخراجية تراجعاً متأثراً بالطلب والأسعار العالمية، بينما يثير قطاع الصناعات التحويلية القلق بانخفاضه بنسبة 1.3% نتيجة ضعف الطلب الخارجي المرتبط بالوضع الاقتصادي الأوروبي وارتفاع تكاليف المدخلات.
كما تباطأ قطاع الطاقة لينمو بنسبة 3.4% فقط جراء تراجع الطلب الصناعي، في حين يعكس استمرار النمو الإيجابي لقطاع البناء تباطؤاً في جدولة الاستثمار العمومي، واستنفاد زخم إعادة الإعمار، بينما جاء الدعم الأبرز للقطاع الثالثي من الخدمات المالية التي نمت بنسبة 7.6% مستفيدة من النشاط الائتماني القوي.
تلتقي القراءة التحليلية للأستاذ فيرانو مع الطرح الذي قدمه الأستاذ الباحث والمحلل الاقتصادي محمد عادل إيشو، عند تحليل جانب الطلب، إذ يتّفقان على أن “الاستهلاك الأسري يظل المحرك الأساسي للنمو في هذه المرحلة”.
وأوضح فيرانو أن استهلاك الأسر سجل قفزة هامة بلغت 4.6% مقارنة بـ 1.1% العام الماضي، مدفوعاً بانخفاض معدلات التضخم وتحسن الدخل الزراعي، فضلاً عن تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج التي رفعت الدخل القومي المتاح بنسبة 6.8%. وفي السياق ذاته يصف إيشو ذلك بـ”الشق التفاؤلي”، مؤكداً أن الطلب الداخلي يقود النمو بعد أن سجل 6.5% مقابل 6.4% قبل سنة، لتنتقل مساهمته في النمو الاقتصادي من 5.3 نقط إلى 6.9 نقط، ما يثبت أن السوق الداخلي هو المحرك الرئيسي للاقتصاد اليوم وليس الصادرات.
هذا الزخم الداخلي يمتد ليشمل الدور الحيوي للمؤسسات الرسمية عبر الاستهلاك العمومي، إذ يشير إيشو إلى تسارع نفقات الإدارات العمومية من 3.5% إلى 4.9%، ما يجعل الدولة بمثابة “المثبّت التلقائي” للنشاط الاقتصادي عبر سياساتها الداعمة للطلب الكلي من خلال الأجور والتحويلات الاجتماعية وبرامج الدعم المباشر.
ومع ذلك فإن هذا الإقبال القوي على الاستهلاك الداخلي يترتب عليه أثر واضح على القطاع الخارجي، إذ يذكر فيرانو أن تجاوز الاستيعاب الداخلي لحجم الإنتاج أدى إلى قفزة في الواردات بنسبة 12.7% لتلبية متطلبات الاستهلاك والطاقة والسلع الاستثمارية؛ ورغم نمو الصادرات بنسبة 9.2% إلا أن هذا التفاوت أدى إلى تدهور صافي الميزان التجاري، وهو ما يفسره بفجوة امتصاص وليس بضعف تنافسية الصادرات.
ينتقل التحليل إلى منطقة أكثر حذراً عند فحص معدلات الاستثمار، وهي النقطة البنيوية المقلقة التي أفاض إيشو في شرحها وتلاقت مع تحذيرات فيرانو؛ إذ يوضح إيشو أن الاستثمار يشهد تباطؤاً يطرح علامات استفهام كبرى، بتراجع وتيرة نمو إجمالي تكوين الرأسمال الثابت من معدل قوي بلغ 19.6% إلى 10.8% فقط، ما قلص مساهمته في النمو من 4 نقط إلى 3.4 نقط.
ويرى المتحدث ذاته، في حديثه لهسبريس، أن هذا المعطى كاشفٌ عن “إشكال اقتصادي بنيوي”؛ فالنمو القائم على الاستهلاك وحده يظل هشاً لأن الاستهلاك ينشط الدورة اليومية دون ضمان المستقبل، بينما يبني الاستثمار القدرات الإنتاجية الحقيقية من خلال فتح المصانع وخلق مناصب شغل قارة ورفع التنافسية.
هذا التباطؤ الاستثماري يثير، وفقاً لإيشو، سؤالين جوهريين، يتعلق الأول بمناخ الأعمال ومدى قدرة المقاولات الصغرى والمتوسطة على إيجاد السيولة والرؤية الواضحة للاستثمار، بينما يرتبط الثاني بوتيرة تنزيل المشاريع الكبرى والاستثمار العمومي الذي يمثل الشريان الحيوي المغذي لتلك المقاولات.
من جانبه يضع فيرانو هذا التراجع في قطاع الصناعات التحويلية كأبرز نقطة تستدعي الاهتمام، نظراً لتأثيرها على التحول الإنتاجي ومسار الصادرات مستقبلاً، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن التمويل الذاتي للاقتصاد المغربي مازال يغطي غالبية الاستثمارات، حيث بلغت المدخرات 31.4% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل حجم استثمار بلغ 32.9%، ما يترك حاجة محدودة إلى التمويل الخارجي تقدر بـ 1.5%.
تلخص الصورة الكلية للاقتصاد المغربي وجود نمو مدفوع بقوة من جانب الاستهلاك، وهو أمر إيجابي على المدى القصير، كونه يعكس تحسن الوضعية الاقتصادية للمواطنين نسبياً بفضل التحكم في التضخم الذي تراجع إلى 1.1%، غير أنه تراجع قد يحمل صبغة مؤقتة مرتبطة بالعرض الفلاحي، ما يستدعي الحذر النقدي كما أشار فيرانو.
وأجمع الباحثان على أن التحدي الحقيقي والمزدوج يكمن في كيفية الحفاظ على زخم الاستهلاك الداخلي مع إعادة تحريك عجلة الاستثمار عبر تسريع المشاريع العمومية المرتبطة بالنموذج التنموي الجديد واستعادة ثقة القطاع الخاص، وذلك لضمان عدم الاكتفاء بنمو رقمي عابر، بل ترجمته إلى مناصب شغل مستدامة وتحسين ملموس في مستوى عيش المغاربة.
المصدر:
هسبريس