أكد محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، أن الجماعة كانت تتوقع منذ البداية محدودية قدرة حزب العدالة والتنمية على تنفيذ الإصلاحات التي وعد بها عقب فوزه بانتخابات سنة 2011، معتبرا أن المشاركة في الحكومة ضمن البنية السياسية القائمة آنذاك لن تمكنه من معالجة ملفات الفساد والاستبداد أو إحداث تغيير سياسي حقيقي.
وأوضح عبادي، في الحلقة العاشرة من برنامج “رجل ومسار” المنشور على موقع الجماعة أن مجلس إرشاد الجماعة وجه مباشرة بعد تشكيل الحكومة رسالة مفتوحة إلى كل من حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، عبر فيها عن قناعته بأن هامش التغيير داخل المؤسسات سيظل محدودا، ولن يتجاوز بعض الجوانب التدبيرية، معتبرا أن ما آلت إليه التجربة الحكومية للحزب أكد، بحسب تعبيره، صحة تلك القراءة.
وشدد على أن الإصلاح الحقيقي يظل، في نظر الجماعة، رهينا بإرادة سياسية صادقة تتيح مشاركة شعبية فعلية وتؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة والمجتمع.
واستعرض الأمين العام لجماعة العدل والإحسان أبرز المحطات التي ميزت علاقة الجماعة بالدولة منذ بداية حكم الملك محمد السادس، معتبرا أن رفع الإقامة الجبرية عن مؤسس الجماعة عبد السلام ياسين لم ينعكس على وضعها، إذ استمرت، حسب قوله، المقاربة الأمنية نفسها رغم رفع شعار “العهد الجديد”.
وأضاف أن الجماعة كانت ترى أن الأولوية لا تكمن في إنهاء الإقامة الجبرية عن مرشدها فقط، وإنما في رفع الحصار عن الجماعة ككل، والإفراج عن الطلبة الاثني عشر المعتقلين المنتمين إليها، إلا أن السلطات، وفق روايته، اكتفت برفع الإقامة الجبرية مع استمرار السياسات السابقة تجاه الجماعة.
وتوقف عبادي عند تجربة المخيمات الصيفية التي كانت تنظمها الجماعة في عدد من المدن، مؤكدا أنها تحولت إلى فضاءات استقطبت آلاف المشاركين، بمن فيهم غير المنتمين للجماعة، بفضل ما كانت تقدمه من برامج تربوية وثقافية وإيمانية وترفيهية.
وقال إن السلطات أقدمت على منع هذه المخيمات، بل وإحراق بعضها، مستحضرا ما وقع لمخيم “السعادة” بمدينة الناظور، الأمر الذي دفع الجماعة إلى تنظيم أنشطتها بالشواطئ العمومية.
وأضاف أن هذه المرحلة عرفت إعلاميا بـ”حرب الشواطئ”، موضحا أن السلطات لجأت، بحسب قوله، إلى نشر عناصر أمنية وعسكرية وفرق موسيقية بمحيط تجمعات الجماعة للحد من تأثير أنشطتها.
وأشار إلى أن التضييق امتد كذلك إلى وسائل النقل، حيث مُنع عدد من أعضاء الجماعة من الوصول إلى الشواطئ، وهو ما دفعها لاحقا إلى إنهاء هذه التجربة واعتماد “الرباطات” كبديل لمواصلة برامجها التربوية.
وأكد عبادي أن التضييق طال أيضا وسائل إعلام الجماعة، مشيرا إلى أن كتبعبد السلام ياسين واجهت عراقيل في الطباعة والتوزيع، بينما لم يسمح لجريدة “العدل والإحسان” سوى بإصدار عددها الأول قبل توقيفها، كما منعت رسالة “الفتوة”، وتكرر حجب الموقع الإلكتروني للجماعة.
واستحضر الوقفات الاحتجاجية التي نظمتها الجماعة بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، مشيرا إلى أنه شارك في إحدى الوقفات بمدينة وجدة رغم تلقيه، بحسب قوله، تحذيرات أمنية بعدم الحضور.
وأضاف أن القوات العمومية تدخلت لتفريق الوقفة، وتم توقيف المشاركين واقتيادهم إلى مخافر الشرطة قبل إطلاق سراحهم في اليوم الموالي، مؤكدا أن مدنا أخرى، وعلى رأسها تطوان، شهدت تدخلات أكثر عنفا أسفرت عن إصابات واعتقالات.
وعند حديثه عن تفجيرات الدار البيضاء في 16 ماي 2003، قال عبادي إن الجماعة لم تكن ضمن الجهات التي استهدفتها السلطات بعد الأحداث، معتبرا أن ذلك يعود إلى معرفة الدولة بموقفها الرافض للعنف واعتمادها الخيار السلمي.
وكشف أنه تلقى من أحد المسؤولين الأمنيين بمدينة وجدة إشادة بانضباط أعضاء الجماعة، حيث أكد له أن الأجهزة الأمنية كانت تشعر بالاطمئنان كلما نزلت الجماعة إلى الشارع بسبب سلمية أعضائها.
وفي تقييمه لتداعيات تلك الأحداث، اعتبر أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي لمحاربة التطرف، داعيا إلى معالجة أسبابه عبر توسيع الحريات وضمان الحقوق وفتح الحوار.
وجدد عبادي التأكيد على أن نبذ العنف يمثل خيارا تربويا داخل جماعة العدل والإحسان قبل أن يكون موقفا سياسيا، موضحا أن أعضاء الجماعة يتربون على الصبر وضبط النفس وعدم مواجهة العنف بعنف مضاد.
كما أعلن رفض الجماعة للعنف الذي تمارسه التنظيمات المتشددة، مؤكدا أنها انتقدت تنظيم “داعش” منذ بدايات ظهوره، ورفضت ما وصفه بادعاء إقامة الخلافة بالقوة.
وانتقل عبادي إلى الحديث عن سنة 2006 التي شهدت بداية تشميع عدد من بيوت أعضاء الجماعة، موضحا أن منزله كان أول بيت تعرض لهذا الإجراء.
وقال إن القوات التي نفذت العملية اقتحمت المنزل وكَسرت أبوابه وأتلفت بعض محتوياته وصادرت عشرات الصناديق من الكتب، قبل توقيف الحاضرين واقتيادهم إلى مخفر الشرطة.
وأضاف أن منزله كان قد تعرض قبل ذلك لسبع مداهمات بسبب احتضانه مجالس النصيحة، مشيرا إلى أن المشاركين، بمن فيهم النساء، كانوا يوقفون ويستمع إليهم قبل إطلاق سراحهم.
وأكد أن عدد البيوت المشمعة بلغ نحو أربعة عشر منزلا في مدن مختلفة، معتبرا أن هذه الإجراءات لم تنجح في الحد من حضور الجماعة، بل دفعتها إلى ابتكار وسائل جديدة لمواصلة أنشطتها الدعوية والتربوية.
وتوقف عبادي عند رحيل الأستاذين محمد العلوي السليماني وأحمد الملاخ سنة 2008، واصفا إياهما بأنهما من أعمدة الجماعة ومن أبرز مساعدي عبد السلام ياسين في بدايات الدعوة.
وقال إن الراحلين أسهما في طباعة وتوزيع رسالة “الإسلام أو الطوفان” في ظروف صعبة، مشيدا بما تحليا به من شجاعة وتواضع وكرم، ومؤكدا أن الجماعة فقدت برحيلهما اثنين من أبرز رجالاتها.
وفي حديثه عن سنة 2011، اعتبر عبادي أن الربيع العربي جاء نتيجة تراكم الأزمات السياسية والاجتماعية، وأن احتجاجات 20 فبراير بالمغرب كانت جزءا من هذا السياق.
وأوضح أن انسحاب الجماعة من الحركة لم يكن تراجعا عن مطالب الإصلاح، وإنما جاء بعد تقييم داخلي خلص إلى أن الحراك استنفد ما يمكن أن يحققه، مؤكدا استمرار الجماعة في الدفاع عن قضايا الحرية ومحاربة الاستبداد والفساد.
كما جدد موقف الجماعة من التعديلات الدستورية لسنة 2011، معتبرا أنها لم تكن كافية لإحداث تحول ديمقراطي حقيقي، وأن الإصلاح لا يقاس بالنصوص، بل بمدى انعكاسها على الواقع وبوجود إرادة سياسية لتنفيذها.
وسجل أمين عام جماعة العدل والإحسان، أن تجربة ما بعد انتخابات 2011 عززت قناعة الجماعة بأن الإصلاحات الجزئية داخل الإطار السياسي القائم لا تكفي لإحداث التغيير المنشود، مجددا الدعوة إلى إصلاح سياسي شامل يقوم على مشاركة شعبية حقيقية وإرادة سياسية قادرة على إرساء علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع.
المصدر:
العمق