أعلنت الحكومة العودة إلى العمل بالساعة القانونية (توقيت غرينيتش) ابتداء من نهاية فصل الصيف الجاري، منهية بذلك العمل بالتوقيت الإضافي (GMT+1) الذي اعتمد بشكل دائم منذ سنة 2018. ويأتي القرار بعد سنوات من الجدل المجتمعي والحقوقي الذي رافق اعتماد الساعة الإضافية، وسط مطالب متواصلة بإلغائها، بينما يثير توقيت الإعلان عنه تساؤلات بشأن أبعاده السياسية، خاصة مع اقترابه من موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وكانت الحكومة قد أقرت سنة 2018 مرسوما يقضي بالإبقاء على التوقيت الصيفي طيلة السنة، مبررة القرار آنذاك بتحقيق مكاسب اقتصادية وطاقية، وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني وتكييف مواقيت العمل مع الشركاء الاقتصاديين للمغرب. غير أن القرار قوبل منذ صدوره باحتجاجات وانتقادات واسعة من قبل المواطنين وهيئات مدنية ونقابية، اعتبرت أن كلفته الاجتماعية والصحية كانت أكبر من المكاسب المعلنة.
ومنذ دخول المرسوم حيز التنفيذ، وجد المغاربة أنفسهم أمام توقيت يسبق الحركة الطبيعية للشمس بساعة كاملة، وهو ما انعكس، بحسب متابعين، على نمط الحياة اليومية، خصوصا خلال فصل الشتاء، حيث أصبح ملايين التلاميذ والموظفين يغادرون منازلهم قبل شروق الشمس وفي ظروف مناخية صعبة.
خلفيات توقيت العودة لغرينيتش
ويرى متابعون أن إعلان رئيس الحكومة يمثل تحولا في التعاطي الرسمي مع ملف ظل يثير نقاشا مجتمعيا وسياسيا واسعا منذ اعتماد الساعة الإضافية بشكل دائم، كما يطرح تساؤلات حول مدى اعتبار هذا القرار شأنا سياديا أو مجرد إجراء تنظيمي يخضع لتقييم السياسات العمومية وإمكانية مراجعته وفق المصلحة العامة.
وفي هذا الصدد، وجه النائب البرلماني مصطفى ابراهيمي سؤالا كتابيا إلى وزير الداخلية، عبر رئيس مجلس النواب، يستفسر فيه عن خلفيات توقيت إعلان الحكومة قرار العودة إلى التوقيت القانوني للمغرب (GMT)، وتحديد تاريخ دخوله حيز التنفيذ قبل أيام قليلة من موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة.
وأوضح ابراهيمي، في سؤاله، أن رئيس الحكومة أعلن يوم 25 يونيو 2026 عن العودة إلى التوقيت القانوني ابتداء من نهاية فصل الصيف، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ في 20 شتنبر المقبل، أي ثلاثة أيام فقط قبل يوم الاقتراع، معتبرا أن هذا التوقيت يطرح تساؤلات بشأن دوافع برمجة القرار في هذه المرحلة.
وأشار النائب إلى أن قرار إلغاء الساعة الإضافية ظل، منذ سنوات، مطلبا شعبيا عبر عنه المواطنون من خلال أشكال مختلفة من الاحتجاج والترافع المدني، كما تبنت بعض الهيئات السياسية هذا المطلب ضمن التزاماتها، في وقت كانت فيه الحكومة تؤكد أن الحسم في الملف مرتبط بإنجاز دراسات تقييمية ترصد الآثار الاقتصادية والاجتماعية لاعتماد الساعة الإضافية.
وأضاف أن الرأي العام لم يطلع، إلى حدود اليوم، على نتائج تلك الدراسات، سواء كانت قد أنجزت أم لا، رغم أن عددا من الدول والمؤسسات، من بينها البرلمان الأوروبي، سبق أن ناقشت تأثيرات تغيير التوقيت على مختلف المستويات الصحية والاجتماعية والاقتصادية.
وسجل ابراهيمي أن إعلان الحكومة عن العودة إلى التوقيت القانوني جاء، بحسب تعبيره، في سياق يتزامن مع الاستعداد للاستحقاقات التشريعية، معتبرا أن برمجة تنفيذ القرار قبل أيام قليلة من الاقتراع قد تثير نقاشا حول مدى احترام مبدأ حياد الإدارة وتكافؤ الفرص بين الأحزاب السياسية المتنافسة، وإمكانية توظيف هذا الإجراء في سياق الحملة الانتخابية.
وطالب النائب وزير الداخلية بتوضيح الأسباب التي دفعت إلى اتخاذ القرار في هذه المرحلة، متسائلا عن دواعي تحديد 20 شتنبر 2026 موعدا لدخول العودة إلى توقيت غرينيتش حيز التنفيذ، أي ثلاثة أيام قبل موعد التصويت، وعن مدى تقييم الحكومة لاحتمال تأثير هذا القرار على اختيارات الناخبين.
كما دعا، في سؤاله الكتابي، إلى دراسة إمكانية تأجيل تنفيذ القرار إلى ما بعد يوم الاقتراع، مقترحا أن يدخل حيز التنفيذ يوم 24 شتنبر 2026، وذلك تفاديا، بحسب تعبيره، لأي تأويل أو استغلال سياسي محتمل للقرار خلال الفترة الانتخابية.
ويأتي هذا السؤال البرلماني في سياق استمرار النقاش العمومي حول ملف الساعة القانونية، الذي ظل منذ اعتماد التوقيت الإضافي سنة 2018 من أكثر الملفات إثارة للجدل، قبل أن تعلن الحكومة مؤخرا إنهاء العمل به والعودة إلى توقيت غرينيتش ابتداء من نهاية الصيف الجاري.
كلفة الساعة الإضافية
وفي قراءة سوسيولوجية للملف، قال أستاذ علم الاجتماع علي بولحسن إن فرض التوقيت الإضافي طيلة السنة خلال ولاية حكومة سعد الدين العثماني ارتبط، وفق قراءته، باعتبارات اقتصادية مرتبطة بإحدى شركات صناعة السيارات، وهو ما فجر آنذاك موجة احتجاجات واسعة، خاصة في صفوف التلاميذ والطلبة وأولياء أمورهم.
وأوضح بولحسن ضمن تصريح لجريدة “العمق”، أن عددا من الباحثين والمختصين اقترحوا في تلك الفترة اعتماد مقاربة بديلة، تقوم على الإبقاء على الساعة القانونية بالنسبة للمواطنين، مع السماح للمؤسسات المرتبطة بالشركات الأجنبية أو الموجهة للتصدير بتقديم ساعات العمل بما يتلاءم مع شركائها الدوليين، غير أن هذا المقترح لم يجد طريقه إلى التنفيذ.
وأكد المتحدث أن الأطفال وتلاميذ المؤسسات التعليمية كانوا من أكثر الفئات تضررا من اعتماد الساعة الإضافية، بسبب اضطرارهم إلى التوجه إلى المدارس في ساعات مبكرة من الصباح قبل شروق الشمس، وهو ما اعتبره عاملا مؤثرا على التركيز والتحصيل الدراسي، فضلا عن انعكاساته الصحية والنفسية والسلوكية.
وأضاف أن استمرار العمل بالتوقيت الإضافي ساهم في اضطراب الإيقاع البيولوجي لعدد من المواطنين، وأثر على جودة النوم والإنتاجية، كما انعكس على السلوكيات اليومية داخل المجتمع، معتبرا أن العودة إلى توقيت غرينيتش ستخفف من هذه الآثار، وستنهي معاناة آلاف الأسر التي ظلت تعيش إكراهات الاستيقاظ في الظلام خلال فصل الشتاء.
ويرى بولحسن أن القرار يمثل خطوة إيجابية من الناحية الاجتماعية والصحية، لكنه في المقابل لا يفصل توقيت اتخاذه عن السياق السياسي الذي جاء فيه، مشيرا إلى أن الإعلان عن العودة إلى الساعة القانونية لم يتم خلال منتصف الولاية الحكومية، وإنما قبل أشهر قليلة من الانتخابات التشريعية المقررة في شتنبر المقبل.
واعتبر أن هذا التزامن يفتح المجال أمام تأويلات سياسية، ويجعل القرار يتجاوز بعده الإداري ليصبح جزءا من النقاش الانتخابي، واصفا إياه بأنه يحمل طابعا “انتخابويا”، بالنظر إلى توقيت الإعلان عنه.
كما انتقد ما اعتبره توظيفا سياسيا للملف من طرف بعض الأحزاب، التي سارعت إلى وضع قضية إلغاء الساعة الإضافية في صدارة خطابها السياسي، معتبرا أن هذا التعاطي يندرج ضمن محاولات كسب نقاط انتخابية، على حساب قضايا مجتمعية أخرى أكثر إلحاحا، محذرا من أن استمرار هذا الأسلوب في تدبير الشأن العام يساهم في تعميق ظاهرة العزوف السياسي، خاصة لدى فئة الشباب.
الضغط المدني
وفي المقابل، تؤكد فعاليات مدنية أن القرار يعكس استجابة رسمية لمطلب مجتمعي ظل مطروحا منذ سنوات. وترى الحملة الوطنية من أجل العودة إلى الساعة القانونية غرينيتش أن الضغط المدني والتفاعل الإعلامي الواسع لعبا دورا أساسيا في إبقاء الملف حاضرا في النقاش العمومي، إلى أن انتهى بإعلان الحكومة العودة إلى التوقيت القانوني.
وأكدت الحملة أن الدينامية المواطنة التي أطلقتها، وما رافقها من حملات للتوعية، وتعبئة وطنية، ونقاشات عمومية، وترافع مدني منظم، ساهمت في إبراز أهمية الملف لدى الرأي العام، وفي الدفع نحو مراجعة القرار الحكومي المتعلق بالساعة الإضافية.
واعتبرت أن استجابة الحكومة تمثل مؤشرا على إمكانية تفاعل المؤسسات مع المطالب المجتمعية عندما تستند إلى ترافع سلمي ومنظم، مؤكدة أن القرار يعد انتصارا للعمل المدني، وللمطالب الاجتماعية والصحية والتربوية التي رفعتها مختلف مكونات المجتمع منذ سنة 2018.
وأعلنت الحملة، في هذا الإطار، أنها ستعتبر مهمتها قد انتهت بمجرد دخول القرار حيز التنفيذ في 20 شتنبر 2026، مشيرة إلى أنها ستقوم بحل هياكلها التنظيمية وإتلاف لوائح التوقيعات التي جُمعت خلال سنوات الترافع، تحت إشراف قضائي، وفاء لما سبق أن التزمت به منذ انطلاق المبادرة.
ويطوي قرار العودة إلى توقيت غرينيتش صفحة واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش خلال السنوات الأخيرة، بعدما ظل ملف الساعة القانونية محل شد وجذب بين الحكومات المتعاقبة وقطاعات واسعة من المواطنين. وبين من يرى في القرار استجابة متأخرة لمطلب اجتماعي وصحي، ومن يعتبره خطوة ذات أبعاد سياسية مرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يبقى الرهان الأساسي هو تقييم أثر العودة إلى الساعة القانونية على الحياة اليومية للمغاربة، وعلى السياسات العمومية المرتبطة بتنظيم الزمن الرسمي بالمملكة.
المصدر:
العمق