دعت جمعية “سمسم – مشاركة مواطنة” إلى إرساء إطار قانوني ومؤسساتي متكامل لتنظيم استخدامات الذكاء الاصطناعي بالمغرب، مع ضمان إشراك منظمات المجتمع المدني في مختلف مراحل إعداد السياسات العمومية المرتبطة بهذه التكنولوجيا، وذلك من خلال مذكرة ترافعية جديدة بعنوان: «الذكاء الاصطناعي والمجتمع المدني بالمغرب: نحو حكامة مسؤولة وإطار تنظيمي يراعي احتياجات الفاعلين المدنيين».
وأكدت المذكرة أن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد أبرز التحولات التكنولوجية المؤثرة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، بالنظر إلى حضوره المتزايد في التعليم والإدارة والإعلام وإنتاج المعرفة واتخاذ القرار وتوجيه الرأي العام، وهو ما يفرض، بحسب الوثيقة، مواكبة تشريعية ومؤسساتية تضمن الاستفادة من فرص هذه التكنولوجيا مع الحد من المخاطر القانونية والأخلاقية المرتبطة بها.
وأوضحت الجمعية أن المغرب يشهد دينامية متنامية في مجال التحول الرقمي وتحديث الخدمات العمومية، غير أن هذه الدينامية تحتاج إلى إطار قانوني واضح ينظم تطوير واستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي ويحدد المسؤوليات والضمانات وآليات الرقابة المرتبطة بها.
وفي ما يتعلق بدور المجتمع المدني، اعتبرت المذكرة أن الجمعيات أصبحت تعتمد بشكل متزايد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات الترافع والرصد والتوثيق وإعداد التقارير وتحليل البيانات والتواصل والتكوين، ما يجعلها معنية بشكل مباشر بالسياسات العمومية والتشريعات المرتبطة بهذا المجال. كما شددت على أن إشراك المجتمع المدني في بناء المنظومة التشريعية والمؤسساتية للذكاء الاصطناعي يعد ضرورة ديمقراطية تنسجم مع مقتضيات دستور 2011 المتعلقة بالديمقراطية التشاركية وتوسيع فضاءات المشاركة المواطنة.
وسجلت الوثيقة أن المغرب ما يزال يفتقر إلى قانون خاص بالذكاء الاصطناعي، رغم توفره على مجموعة من النصوص القانونية ذات الصلة، من بينها قانون حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وقانون الأمن السيبراني، وقانون الحق في الحصول على المعلومات. وترى المذكرة أن غياب تشريع موحد يدمج الأبعاد التقنية والحقوقية والأخلاقية للذكاء الاصطناعي يخلق فراغا تشريعيا لا يستجيب بالكامل للتحديات الجديدة المرتبطة بهذه الأنظمة، خاصة ما يتعلق بحماية البيانات والتحيز الخوارزمي والمسؤولية القانونية للفاعلين.
كما نبهت المذكرة إلى غياب إطار مؤسساتي وطني يتولى بشكل صريح حكامة الذكاء الاصطناعي وتوجيهه الاستراتيجي وتقييمه الأخلاقي ومراقبته، معتبرة أن توزيع الاختصاصات بين عدة مؤسسات دون وجود هيئة مرجعية مركزية يحد من فعالية التنسيق ويؤثر على بناء رؤية وطنية متكاملة في هذا المجال.
وفي جانب التشخيص الميداني، استندت المذكرة إلى نتائج استبيان وطني أطلقته الجمعية حول استخدام وحكامة الذكاء الاصطناعي داخل منظمات المجتمع المدني بالمغرب، شارك فيه 58 مستجيبا، شكل ممثلو الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني نحو 81 في المائة منهم، مقابل 12 في المائة من الباحثين و5 في المائة من النشطاء، إضافة إلى مشارك واحد من مجال التكنولوجيا.
وأظهرت نتائج الاستبيان انتشارا ملحوظا لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل منظمات المجتمع المدني، حيث أكد 55.2 في المائة من المشاركين أنهم يعتمدون عليها في العديد من الأنشطة، بينما أوضح 39.7 في المائة أنهم يستخدمونها إلى حد ما، في حين لم تتجاوز نسبة غير المستخدمين 5.2 في المائة. كما كشفت النتائج أن مستوى المعرفة بهذه التقنيات ما يزال في أغلبه متوسطا أو ضعيفا، ما يعكس الحاجة إلى برامج للتكوين وبناء القدرات في المجال الرقمي والذكاء الاصطناعي.
وأشارت الوثيقة إلى أن أبرز استخدامات الذكاء الاصطناعي داخل النسيج الجمعوي تتركز في مجالات البحث والتصميم وإعداد المحتوى والتواصل وإعداد التقارير والترجمة، بما يعكس توجها متناميا نحو توظيف هذه الأدوات في إنتاج المعرفة وتحسين الأداء المؤسسي وتعزيز فعالية العمل المدني.
وحذرت المذكرة في المقابل من اتساع ما وصفته بـ”فجوة الذكاء الاصطناعي”، المرتبطة بالتفاوت في القدرة على الوصول إلى الأدوات الذكية واستخدامها والاستفادة من مخرجاتها، مؤكدة أن هذه الفجوة لا تقتصر على الجانب التقني فحسب، بل تمتد إلى مستويات إنتاج المعرفة وصناعة القرار والتأثير في السياسات العمومية. كما نبهت إلى التحديات المرتبطة بالسيادة الرقمية واعتماد الجمعيات على منصات عالمية تحتكر جزءا كبيرا من البيانات والخدمات الرقمية، إضافة إلى المخاطر المتزايدة المرتبطة بالأمن السيبراني وحماية المعطيات الشخصية.
وخلصت جمعية سمسم – مشاركة مواطنة إلى الدعوة لاعتماد مقاربة تشاركية في إعداد السياسات العمومية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، والاستثمار في التكوين والبحث العلمي والابتكار، مع بناء منظومة حكامة رقمية دامجة تضمن الاستخدام المسؤول لهذه التكنولوجيا وتوظيفها في خدمة التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وتعزز حضور المجتمع المدني كشريك أساسي في مواكبة التحولات الرقمية التي يشهدها المغرب.
المصدر:
العمق