آخر الأخبار

مع اقتراب تشغيل ميناء الناظور غرب المتوسط.. أي رهانات اقتصادية وآفاق تنموية أمام جهة الشرق؟

شارك

تستعد جهة الشرق لدخول مرحلة جديدة من مسارها التنموي مع اقتراب موعد انطلاق استغلال مركب “الناظور غرب المتوسط”، المرتقب خلال شهر غشت المقبل، وفق ما أعلنه الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، في خطوة يرتقب أن تفتح آفاقا اقتصادية واستثمارية جديدة، وأن تعيد طرح مستقبل الأدوار الاقتصادية للجهة داخل المنظومة الوطنية.

ويعد المشروع من بين أكبر الأوراش المهيكلة التي أنجزها المغرب خلال السنوات الأخيرة، بالنظر إلى ما يتوفر عليه من تجهيزات وبنيات تحتية حديثة وموقع استراتيجي على الواجهة المتوسطية، فضلا عن ارتباطه بالاستراتيجية الوطنية الرامية إلى تعزيز تموقع المملكة ضمن شبكات التجارة الدولية والاستثمار.

وفي سياق المعطيات الرسمية المتعلقة بالمشروع، كان بلاغ صادر عن الديوان الملكي، عقب اجتماع ترأسه الملك محمد السادس، يوم الأربعاء 28 يناير الماضي، قد أفاد بأن ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي تبلغ كلفته الاستثمارية حوالي 5,6 مليار دولار، سيتوفر على طاقة استيعابية سنوية تصل إلى خمسة ملايين حاوية، قابلة للتوسعة لتبلغ 12 مليون حاوية.

وأضاف البلاغ أن الميناء يضم 5,4 كيلومتر من حواجز الأمواج، وأربعة كيلومترات من الأرصفة، إلى جانب أربع محطات لتوليد الطاقة، في إطار تصميم هندسي يستجيب للمعايير الدولية المعتمدة في الموانئ الكبرى. كما أوضح المصدر ذاته أن المشروع صمم لاستضافة أول محطة للغاز الطبيعي المسال في المغرب، بطاقة سنوية تبلغ خمسة مليارات متر مكعب، إضافة إلى محطة مخصصة للمحروقات، بما يعزز البنية الطاقية المرتبطة بالميناء.

وأشار البلاغ أيضا إلى أن المشروع يخصص 700 هكتار للأنشطة الصناعية واللوجستيكية، وهي مساحة ساهمت بالفعل في استقطاب استثمارات خاصة تقدر بحوالي 20 مليار درهم، وفق المعطيات الرسمية ذاتها. وتراهن السلطات العمومية على المشروع للمساهمة في إحداث تحول تدريجي في البنية الاقتصادية لجهة الشرق، عبر تطوير منظومة إنتاجية ولوجستيكية وصناعية تمتد آثارها إلى عدد من أقاليم الجهة.

وفي هذا السياق، أكد فوزي لقجع أن تشغيل الميناء من شأنه أن يفتح آفاقا جديدة للاستثمار وإحداث فرص للشغل، خاصة في القطاعات الصناعية والفلاحية واللوجستيكية والصناعات التحويلية، معتبرا أن المشروع مؤهل لإحداث دينامية اقتصادية من شأنها تعزيز جاذبية جهة الشرق ورفع قدرتها على استقطاب الرساميل الوطنية والأجنبية.

ولا تقتصر الرؤية المرتبطة بمشروع الناظور غرب المتوسط على إنشاء منشأة مينائية حديثة، بل تشمل تطوير منظومة اقتصادية تضم مناطق صناعية ولوجستيكية وبنيات تحتية للنقل، بما يهدف إلى تعزيز الترابط الاقتصادي بين مختلف مكونات الجهة.

وفي هذا السياق، يواصل إقليم الناظور تعزيز موقعه كوجهة صاعدة للاستثمار الصناعي، في ظل الدينامية التي يعرفها مشروع “الناظور غرب المتوسط”، الذي بات يشكل أحد أبرز الأوراش الاستراتيجية بالمملكة.

وفي هذا الإطار، استقبلت السلطة الإقليمية بالناظور، يوم الخميس 14 ماي الماضي، وفدا عن المجموعة الصناعية الصينية “BOWAY”، في إطار تتبع مشروع صناعي مهيكل يرتقب إنجازه بالمنطقة الصناعية التابعة للمركب المينائي.

ويرتقب أن يمتد المشروع على مساحة تناهز 20 هكتارا، باستثمار يفوق ملياري درهم، وبطاقة إنتاجية تصل إلى 50 ألف طن سنويا، مع توقع إحداث أزيد من 600 منصب شغل مباشر.

ويأتي هذا المشروع في سياق التوسع الصناعي الذي يعرفه ميناء “الناظور غرب المتوسط”، الذي يرتقب أن يدخل حيز التشغيل قبل نهاية السنة الجارية، ما يعزز مكانته كمحور لوجستيكي وصناعي استراتيجي قادر على استقطاب استثمارات وطنية ودولية كبرى، بفضل بنياته التحتية الحديثة وموقعه الجغرافي على الواجهة المتوسطية.

وفي إطار الاستعدادات الجارية، تتواصل الأشغال التقنية واللوجستيكية المرتبطة بمرحلة الاستغلال، حيث شهد المشروع وصول أولى الرافعات العملاقة المخصصة لرصيف المحطة الشرقية قادمة من مدينة شنغهاي الصينية، ضمن عملية استكمال التجهيزات المبرمجة قبل بدء التشغيل.

وينتظر أن تساهم هذه المعدات، التي تندرج ضمن التقنيات المعتمدة في الموانئ المتخصصة في مناولة الحاويات، في تعزيز الطاقة التشغيلية للميناء ورفع قدرته على استقطاب خطوط الملاحة البحرية الدولية.

كما يعول على الموقع الجغرافي للميناء، القريب من أبرز الممرات البحرية الدولية، لتطوير دوره كمركز لوجستيكي إقليمي قادر على ربط المغرب بالأسواق الأوروبية والإفريقية والمتوسطية، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

وفي قراءة أكاديمية لهذا التحول، قال مصطفى قرايشي، أستاذ القانون العام بالكلية المتعددة التخصصات بسلوان – الناظور، في تصريح خاص لجريدة “العمق المغربي”، إن دخول الميناء مرحلة التشغيل يمثل “تحولا نموذجيا في حكامة المجال الترابي لجهة الشرق”، معتبرا أن المشروع يتجاوز كونه بنية تحتية تقنية ليصبح رافعة لإعادة تشكيل الموقع الاقتصادي للجهة على المستويين الوطني والدولي.

وأوضح قرايشي أن المشروع “ليس مجرد بنية تحتية تقنية، بل هو مرفق عام استراتيجي يجسد التوجه نحو تحقيق العدالة المجالية والإنصاف الترابي، استجابة للتوجيهات الملكية التي تؤكد على جعل الميناء في خدمة الإنسان والمجال”.

وأضاف أن تشغيل الميناء يعني انتقال جهة الشرق “من مجال جغرافي عانى تاريخيا من العزلة النسبية وهيمنة الاقتصاد غير المهيكل والتهريب المعيشي، إلى قطب اقتصادي مندمج في سلاسل القيمة العالمية”.

وعلى المستوى القانوني، أشار الأستاذ الجامعي إلى أن هذا التحول “يتأسس على تفعيل مقتضيات القانون رقم 15.02 المتعلق بالموانئ، والذي يكرس نموذج الميناء المالك والشراكة بين القطاعين العام والخاص، مما يضمن تدبيراً عصرياً عبر منح امتيازات الاستغلال لفاعلين دوليين”.

كما اعتبر أن المشروع يحمل أبعادا مرتبطة بالأمن الطاقي للمملكة، موضحا أنه “يكرس السيادة الطاقية للمملكة باحتضانه لأول محطة للغاز الطبيعي المسال بطاقة خمسة مليارات متر مكعب، مما يحول الجهة إلى صمام أمان طاقي وطني”.

وبخصوص المقارنات المتداولة مع تجربة ميناء طنجة المتوسط، دعا قرايشي إلى تجنب مقاربة الاستنساخ، مؤكدا أن “من الناحية المنهجية، لا ينبغي الحديث عن استنساخ حرفي لتجربة طنجة المتوسط، بل عن بناء نموذج متكامل ومتخصص”.

وأشار إلى أن جهة الشرق تتوفر على مؤهلات عدة، من بينها “الموقع الجيو-استراتيجي بخليج بيطوية على بعد 130 ميلا بحريا من مضيق جبل طارق، ووعاء عقاري شاسع مخصص لمناطق التسريع الصناعي، فضلا عن منصات صناعية مندمجة قائمة سلفا مثل تكنوبول وجدة، وأكروبول بركان، وحظيرة سلوان”.

وأوضح أن الاختلاف بين المشروعين يرتبط بطبيعة الأنشطة الاقتصادية المستهدفة، مبرزا أنه “بينما يركز طنجة المتوسط أساسا على الحاويات والمهن العالمية للمغرب كالسيارات والطيران، يتجه الناظور غرب المتوسط نحو الصناعات الثقيلة والمحروقات والطاقات المتجددة”.

وفي المقابل، اعتبر أن تحقيق دينامية اقتصادية موازية لبعض النتائج التي حققتها تجربة طنجة المتوسط يظل رهيناً بمعالجة عدد من الإكراهات البنيوية، وفي مقدمتها تسريع إنجاز البنيات التحتية الخاصة بالربط متعدد الوسائط.

وعلى مستوى التشغيل، وصف قرايشي هذه القضية بأنها “التحدي الأبرز”، مبرزا أن جهة الشرق، وإقليم الناظور على وجه الخصوص، يسجلان معدلات بطالة مقلقة تقارب 28.4 في المائة حسب إحصائيات 2024.

وأكد أن ضمان استفادة الكفاءات المحلية يقتضي تفعيل برامج التكوين وربطها بحاجيات الاستثمار، وإرساء آليات لليقظة الاستشرافية لسوق الشغل الجهوي.
وبخصوص التحديات المرتقبة، أشار إلى احتمال حدوث اختناق لوجستي خلال سنوات التشغيل الأولى، إلى جانب تحديات اجتماعية مرتبطة بنزع الملكية، وأخرى إيكولوجية مرتبطة بالإجهاد المائي.

كما حذر من خطر تحول المنطقة الحرة إلى فضاء اقتصادي منفصل عن النسيج المحلي، مشدداً على ضرورة إدماج المقاولات الصغرى والمتوسطة في الدورة الاقتصادية. وفي ما يتعلق بمستقبل إقليم الناظور، أكد قرايشي أن الانتقال نحو قطب إنتاجي متكامل يستوجب اعتماد الذكاء الترابي وتفعيل الجهوية المتقدمة، إلى جانب تنزيل برامج التأهيل الحضري.

كما دعا إلى خلق نظام بيئي صناعي يربط الميناء بمناطق الجهة، وتعزيز الاستثمار في الاقتصاد الأزرق لتثمين الموارد البحرية وتنويع مصادر الدخل، بما يضمن استدامة التحول الاقتصادي المرتقب بجهة الشرق خلال السنوات المقبلة.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا