آخر الأخبار

سرحان ينتعل حذاء "الدكتورة كرة القدم".. من جلد الكهوف إلى عشب الملاعب

شارك

الحذاء.. ذلك الرفيق الصامت الذي حمل أقدام البشر منذ بدايات المشي فوق الأرض الوعرة، قبل أن يتحوّل، مع كرة القدم، من مجرّد وسيلة حماية إلى شاهدٍ على التاريخ، وصانعٍ للفارق، ورمزٍ تختصر فيه اللعبة مجدها كله.

في هذا المقال، يقودنا الشاعر سعد سرحان بعد مقالات سابقة اختار لها عنوان “الدكتورة كرة القدم” ، في رحلة آسرة، تمتدّ من الكهوف الأولى إلى ملاعب العصر الحديث، ليكشف كيف صار الحذاء أكثر من جلدٍ ومسامير: ذاكرةً تمشي، وحكايةً تُركل، وأسطورةً تُعلَّق حين تنتهي الحكاية.

(الحذاء)

قبل آلاف السنين، لم تكن الأرض ممهّدة ولا الطرق معبّدة كما هي الآن، فكان سعيُ الإنسان حافي القدمين واحدًا من التحدّيات الكبرى التي تستوجب الرفع، إذ إنّ أيّ إصابة لقدم المرء قد تصيب جملة من أنشطته اللّازمة للحياة.

لذلك، كان على الإنسان ألّا يترك أقدامه عزلاء أمام البرد والثلج، والحجر والشوك، والحفر والزواحف… فابتكر لها سلاحًا يدرأها من هذه وسواها من عوادي الأرض، فكان الحذاء بشكله الجنيني، مُتخلّقًا من الجلد محشوًّا بالعشب كما عُثر على واحد منه في كهف بأرمينيا، أو مشغولًا من الحلفاء كما وُجد منه بإسبانيا.

من صلب تلك الأحذية البائدة، ومع الخطو الحثيث للحياة نحو ما هي عليه الآن، تحدّرت فصائل لا حصر لها، فإذا العالم يعجّ بالأحذية من كلّ نوع وكلّ مقاس، ولكلّ درب وكلّ مسعى، ولكلّ مهمّة وكلّ غاية… فأحذية السّلم غير أحذية الحرب، وأحذية السّهر غير أحذية التّسلّق، وأحذية العمل غير أحذية الرقص، وأحذية الجمعة غير أحذية الأحد… وليت الأمر توقّف عند هذا الحدّ، فالصناعات الحذائية تمادت في الرقيّ بالحذاء حدّ أن صار ينوب عن الوجه في التعبير عن الوجاهة. أمّا الحذاء الرياضي، ففصيلة دونها باقي الفصائل، وحذاء كرة القدم منها هو رمز اللّعبة، فإذا اعتزل اللّاعب يُقال عنه: علّق الحذاء.

يؤكّد أكثر من مصدر أنّ أوّل حذاء رياضي ظهر في القرن السادس عشر، وقد صمّمه إسكافيّ القصر خصّيصًا للملك هنري الثامن. الحذاء كان ثقيلًا بعض الشيء ويصل إلى الركبة، فهو بذلك ثلاثة في واحد: حذاء وجورب وواقٍ، مع أنّ ما من أحد كان ليجرؤ على شعرة من الملك فأحرى أن يتجرّأ على ساقه. يقينًا أنّ جلالته كان يتعاطى أكثر من رياضة. لكن، من المستبعد أن تكون كرة القدم واحدة منها، لا بسبب شكل الحذاء وكتلته فقط، بل لأنّ اللّعبة كانت غوغائية ومن دون قوانين.

خلال القرن التاسع عشر، وفي موطن هنري الثامن تحديدًا، ستتّضح ملامح كرة القدم شيئًا فشيئًا، فتفرض النظر إليها بعين الخصوصية، إذ إنّ ما تأتيه القدم داخل الملعب ليختلف مطلقًا عن سعيها خارجه. هكذا، ستظهر أحذية خاصة باللّعبة، أسفلها مرصع بمسامير رفيعة، والجلد منها منزّهٌ عن البَلَل، وهي الأحذية التي ستتطوّر عنها أجيال تلو بعضها حتى وصلت إلى ما يحتذيه نجومها الآن.

مع بداية القرن العشرين ستتأسّس أندية أكثر، وسيصير للّعبة دوريات وكؤوس ومنافسات قاريّة وأولمبية وعالمية، وسيواكب هذا التطوّر منها تطوّر في المرافق والهياكل والقوانين والمُعدّات، وفي الأساس من هذه الأخيرة يبرز الحذاء.

بعد مرور أربعة قرون على إسكافيّ القصر وحذائه العجيب، سيظهر إسكافيّ المطبخ، وهذه المرّة في ألمانيا، فالأخوان أدولف ورودولف داسلر سينطلقان في صناعة الأحذية من مطبخ البيت، قبل أن يستقلّ كلّ واحد منهما بإمبراطوريته الخاصّة.

لقد نحت أدولف داسلر من اختصار اسمه “أدي” وبداية لقبه “داس” اسم شركته أديداس، وهي الشركة التي عرفت النجاح حتى قبل التأسيس. ففي الألعاب الأولمبية لسنة 1936، سينتج الأخوان أحذية داسلر بمسامير لبعض المشاركين، وسيكون على رأس هؤلاء العدّاء الأمريكي الأشهر، جيسي أوينز، الذي سيحصد خلالها أربع ميداليات ذهبية. بعد خمس سنوات على تأسيسها، ستهبّ عليها ريح مواتية أخرى، إذ محتذيًا أديداس المصمّمة للعب تحت الأمطار، سيفوز المنتخب الألماني بكأس العالم لسنة 1954. المباراة كانت ضدّ هنغاريا المعروفة آنذاك بقوّة منتخبها، وقد جرت تحت أمطار غزيرة، فإذا دور الأحذية أوضح من أن ينوّه به. هكذا أضافت أديداس كأس العالم إلى الميداليات الأولمبية. وليست الشهرة، قطعًا، في حاجة لأكثر من مجدٍ كهذا.

سنوات قبل ذلك، كان رودولف قد انفصل عن أخيه، لأسباب لسنا الآن في واردها، وأسّس شركته الخاصّة “بوما” سنة 1948. قفزة بوما الكبرى ستكون مع تلك الصورة التي التُقطت للملك بيليه، حاملًا كرة من تصميمها، وهو تقريبًا في وضعية الكَوْجَر. كان ذلك في مونديال 70 بالمكسيك.

أمّا أحذية “نايكي” فغنيّة عن التعريف. ذلك أنّ موطنها، أمريكا، يتصدّر سبورة الميداليات بعدّائين ينتعلونها، ويتسيّد كرة السلة بعمالقة يقفزون بها أعلى ممّا يفعل الكوجر. ولعلّ القفزة التي قفزتها، إثر شراكتها مع مايكل جوردان، هي الأعلى في التاريخ.

تسعى أديداس بعلامة من ثلاثة خطوط متوازية إلى أعلى مشكّلة جبلًا رمزيًّا، وهي بذلك تحثّ على الصمود والتحدّي… فيما تسعى شقيقتها، بوما، بكَوْجَر في ريعان قفزه. والكوجر هذا حيوان من فصيلة السّنوريات يقال له أيضًا أسد الجبال. وبهذا يلتقي الأخوان داسلر، سرًّا ورغم عداوتهما الذائعة، في جبل العلامة، قبل أن يُدفنا على طرفيْ مقبرة المدينة. أمّا نايكي، فلم تكتفِ بالجبل رمزًا ولا بالقفز طموحًا. فنايكي هو اسم إلهة النصر عند الإغريق، وأين الجبال من الآلهة، أمّا علامتها فترمز لحركة جناح هذه الإلهة أثناء تحليقها، وشتّان بين القفز والطيران.

وممّا يجدر بالذكر، وتستحقّ عليه نايكي الشكر، هو أنّ علامتها كانت من تصميم طالبة مهندسة مقابل 35 دولارًا فقط. وبعد نجاحها بسنوات، جرى تكريم المصمّمة في حفل تسلّمت خلاله خاتمًا ذهبيًّا يحمل العلامة الشهيرة، وأسهمًا في الشركة تقدّر اليوم بملايين الدولارات، في عرفان بالجميل ولا أجمل.

الجبل والكوجر وإلهة النصر وسواها من العلامات والاستعارات التي يرفل فيها الحذاء الرياضي الآن تستحقّ أن تكون موضوعًا لأكثر من رسالة جامعية. وليس اقتراحي بشطط تلك الشركات العملاقة التي زوّدت الأحذية بتقنيات تمتح من علوم الأعصاب، فتتيح للّاعب ما تتيح من راحة وأريحية، وبشرائح إلكترونية تسجّل عن تحرّكاته ما قد يعود إليه الطّاقم التقني عند الحاجة، فصار الحذاء الرياضي، بذلك، جهازًا مكتمل الأركان والأوصاف، وبذلك أيضًا صار للقدم بيت بتدفئة مركزية، وإضاءة جانبية، ونظام تهوية… بيت بطّاريات قابلة للشحن.

والآن،

لو قيّض للملك هنري الثامن أن ينتعل من أحذية جلالة رونالدو الثاني، لَما تورّع عن إعدام إسكافي القصر، بأثر رجعي، نكالًا له على شنيعه.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا