في مرافعة مطولة خلال جلسات محاكمة الملف المثير للجدل المعروف إعلاميا بـ”إسكوبار الصحراء”، شدد المحامي امبارك المسكيني، عضو هيئة دفاع سعيد الناصيري، على أن النيابة العامة وقعت في تناقضات واضحة أثناء عرضها لوقائع القضية، معتبرا أن عددا من الأدلة التي استند إليها الاتهام لا ترقى إلى مستوى الإثبات القانوني القادر على إدانة موكله.
وأكد المسكيني أن النقطة الجوهرية التي أثارها الوكيل العام للملك تتعلق بمحاضر الضابطة القضائية وقوتها الإثباتية، موضحا أنه يتفق مع النيابة العامة في كون التصريحات المدلى بها أمام الضابطة تلزم أصحابها فقط.
وأضاف أن هذا المبدأ يجب أن يطبق على الجميع دون استثناء، مبرزا أن سعيد الناصيري وخالد سداس وعبد النبي بعيوي أنكروا جميع الأفعال المنسوبة إليهم خلال مرحلة البحث التمهيدي، وبالتالي فإن تلك المحاضر لا يمكن أن تشكل دليلا ضدهم طالما أنهم لم يعترفوا بما نسب إليهم.
وأوضح المحامي أن النيابة العامة تتمسك بتصريحات بعض الأطراف عندما تخدم روايتها للوقائع، لكنها تتجاهل تصريحات أخرى جاءت أمام المحكمة ونسفت أجزاء مهمة من الملف، مشيرا إلى شهادة الفنانة لطيفة رأفت التي دحضت، بحسبه، رواية الحاج أحمد بن إبراهيم بشأن الفيلا موضوع النزاع. كما استحضر تصريحات فاطمة أفناني ونبيل الضيفي وآخرين الذين نفوا وقوع بعض الوقائع المتعلقة بتسليم مبالغ مالية أو معاملات مشبوهة.
وفي ما يتعلق بالأدلة التقنية المرتبطة بتموقع الهواتف، اعتبر المسكيني أن النيابة العامة ركزت على تموقع سعيد الناصيري بالقرب من الفيلا دون غيره من الأشخاص الذين قيل إنهم كانوا حاضرين خلال نفس المناسبة.
وتساءل الدفاع عن سبب عدم تقديم معطيات تقنية تخص باقي الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في الملف، من بينهم الحاج أحمد بن إبراهيم ولطيفة رأفت وأشخاص آخرون قيل إنهم شاركوا في نفس اللقاء، معتبرا أن المنطق يقتضي أن تظهر المعطيات التقنية تموقع الجميع في المكان ذاته إذا كانت الرواية المقدمة صحيحة.
كما انتقد دفاع الناصيري الاستناد إلى المكالمات الهاتفية باعتبارها قرينة على وجود علاقات مشبوهة، مشيرا إلى أن الملف يتضمن مئات الاتصالات بين الحاج أحمد بن إبراهيم وأطراف مختلفة، غير أن النيابة العامة لم تقدم، حسب قوله، أي مكالمة واحدة تتضمن حديثا مباشرا عن المخدرات أو عن الوقائع الإجرامية موضوع المتابعة.
وأضاف أن الاتصالات التي جمعت الناصيري بالحاج كانت في معظمها ذات طبيعة عادية، بل إن بعضها تضمن طلبات مساعدة مالية من طرف هذا الأخير.
وعاد المسكيني إلى مناقشة الوقائع المرتبطة بتاريخ وجود الناصيري في الرباط، مؤكدا أن الدفاع لم ينكر تواجده بالمدينة خلال ذلك اليوم، بل قدم ما اعتبره حجة تقنية تتمثل في فاتورة شراء ملابس من أحد المحلات التجارية بفندق سوفيتيل.
لكنه شدد على أن وجود الناصيري في الرباط لا يعني بالضرورة وجوده داخل الفيلا موضوع النزاع، معتبرا أن هذا العنصر لم يثبت تقنيا بشكل قاطع.
وفي الشق المتعلق بفاتورة مطعم فندق حياة ريجنسي، أوضح المحامي أن الوثيقة تثبت تناول الناصيري وجبة بمدينة الدار البيضاء وليس بمدينة الرباط، وهو ما اعتبره دليلا إضافيا على وجود تناقضات في الرواية التي تتبناها النيابة العامة.
أما بخصوص الشركات المرتبطة باسم “أكاب” و”أكاب 1″ و”أكاب 2″، فقد أكد المسكيني أن النيابة العامة قدمت معطيات سبق أن صرح بها الناصيري بنفسه أمام المحكمة، مبرزا أن موكله أقر بوجود ثلاث شركات مرتبطة به.
كما أشار إلى أن الحساب البنكي للشركة ظل مفتوحا إلى سنة 2023 وكان الناصيري ما يزال المخول بالتوقيع عليه، معتبرا أن هذه المعطيات لا تشكل اكتشافا جديدا كما حاول الاتهام تصويره.
وفي محور آخر من المرافعة، هاجم دفاع الناصيري ما وصفه بضعف الأدلة المتعلقة بفواتير الماء والكهرباء الخاصة بالفيلا، معتبرا أن الاعتماد على وثائق تم إرسالها عبر تطبيق “واتساب” من خارج المغرب يثير العديد من علامات الاستفهام.
وأكد أن المنطق القانوني كان يقتضي الحصول على الوثائق الأصلية مباشرة من الشركة المعنية الموجودة بمدينة الدار البيضاء، بدل الاعتماد على نسخ إلكترونية تم تداولها عبر وسائل غير رسمية.
وتساءل المسكيني عن الجهة التي سمحت للحاج أحمد بن إبراهيم بالاستفادة من خدمات الماء والكهرباء داخل الفيلا، سواء بصفته مكتريا أو مقيما بها، معتبرا أن هذا المعطى يظل أساسيا لفهم حقيقة العلاقة القانونية التي كانت تربطه بالعقار.
وختم المحامي مرافعته بالتشكيك في توصيف بعض العقود بأنها مزورة، متسائلا كيف يمكن اعتبار عقد شراء موثق ومبرم بين البائع والمشتري وثيقة مزورة دون تقديم ما يثبت ذلك بشكل قاطع. وأكد أن الوثائق الرسمية المتوفرة في الملف تشير إلى أن عملية اقتناء العقار تمت وفق المساطر القانونية المعمول بها، معتبرا أن هذا المعطى يضعف فرضية التزوير التي يتم الترويج لها داخل الملف.
المصدر:
العمق