أكد إدريس اليزمي، رئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج، أن العالم يعيش اليوم مفارقة واضحة في التعاطي مع قضايا الهجرة والتنقل، إذ تتزايد مظاهر الانغلاق والاحتقان السياسي تجاه المهاجرين في العديد من دول الشمال والجنوب على حد سواء، بالتزامن مع احتدام المنافسة الدولية على استقطاب الموارد البشرية والكفاءات المؤهلة، معتبرا أن المغرب منخرط بشكل كامل في هذا السياق العالمي الذي أصبحت فيه الكفاءات ورأس المال البشري موضوع تنافس متزايد بين الدول.
وأوضح اليزمي، في كلمة ألقاها خلال لقاء نظمه المنتدى المغربي للكفاءات والنخب صباح الخميس بالرباط، أنه في الوقت الذي تتصاعد فيه الخطابات المتشددة تجاه الهجرة في عدد من البلدان، تشهد دول أخرى برامج واسعة لاستقطاب اليد العاملة والكفاءات، مشيرا إلى أن ألمانيا وضعت هدفا يتمثل في جذب 400 ألف شخص سنويا في أفق سنة 2030 للحفاظ على مستوى تطورها الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما يعكس التحول العميق الذي تعرفه السياسات المرتبطة بالهجرة والموارد البشرية.
وسجل أن الجالية المغربية المقيمة بالخارج تعرف بدورها تحولات عميقة ومتسارعة، مبرزا أن عدد المغاربة المقيمين بالخارج تجاوز ستة ملايين شخص، وأن هذه الجاليات أصبحت أكثر تنوعا وعولمة وتأنيثا، كما شهدت تطورا سوسيوثقافيا لافتا، حيث أصبح ما يقارب مغربيا واحدا من أصل خمسة بالخارج حاصلا على تكوين جامعي أو مؤهل أكاديمي عال، الأمر الذي يجعل من هذه الجالية رصيدا استراتيجيا أساسيا لمشاريع التنمية الوطنية.
وأضاف أن الملك محمد السادس أكد في أكثر من مناسبة، خاصة في خطابي غشت 2022 ونونبر 2024، على الأهمية المتزايدة للجالية المغربية بالخارج باعتبارها موردا مركزيا في مسار التنمية الذي تشهده المملكة، مشددا على أن تطور أوضاع مغاربة العالم ومستوى اندماجهم وخبراتهم المتراكمة يشكل قيمة مضافة حقيقية للمغرب.
وأشار اليزمي إلى أن المغرب يعد من الدول الرائدة في مجال ما يعرف بسياسات الشتات، أي السياسات العمومية الموجهة للمواطنين المقيمين بالخارج، موضحا أن هذه السياسة انطلقت منذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني، وتم تطويرها وتعزيزها في عهد الملك محمد السادس، قبل أن تدخل اليوم مرحلة جديدة تتسم بإعادة التقييم والتأهيل والإصلاح المؤسساتي وتوسيع مجالات العمل المرتبطة بالجالية المغربية بالخارج.
وأكد أن مختلف التقييمات المنجزة أظهرت الدينامية الإيجابية التي طبعت هذه السياسات والنتائج المهمة التي حققتها، غير أن التحولات المتسارعة التي تعرفها الجالية المغربية بالخارج تفرض بدورها تجديد المقاربات وتطوير آليات العمل والاستجابة للانتظارات الجديدة لمغاربة العالم.
وفي هذا السياق، شدد رئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج على أهمية الإنصات المتبادل بين مغاربة العالم والمغاربة المقيمين داخل الوطن، مستحضرا مقولة عالم الاجتماع الراحل عبد المالك صياد: “نحن لا نهاجر دون عواقب”، معتبرا أن تجربة الهجرة تؤدي بالضرورة إلى تغير الأشخاص والمجتمعات، كما أن البلدان الأصلية تعرف بدورها تحولات مستمرة خلال فترة غياب أبنائها.
وأوضح أن المغرب الذي غادره المهاجرون قبل سنوات أو عقود ليس هو نفسه المغرب الذي يعودون إليه اليوم، لأن البلد يواصل العمل والتطور والابتكار وتقييم السياسات العمومية وتصحيح الاختلالات، وهو ما يتطلب قدرا أكبر من الفهم المتبادل والتواصل بين مختلف مكونات المجتمع المغربي داخل الوطن وخارجه.
وأضاف أن المغاربة المقيمين بالخارج مدعوون إلى فهم الديناميات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية التي يعرفها المغرب، تماما كما أن الفاعلين والمؤسسات الوطنية مطالبون بالإنصات إلى انتظارات الجالية والانفتاح على مساهماتها ومبادراتها، مبرزا أن مؤسسات مثل مجلس الجالية المغربية بالخارج والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تجسد هذا التوجه القائم على الحوار والتقييم المستمر.
كما نوه بالدور الذي تضطلع به مختلف الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات الوطنية في دعم مسار التنمية، مؤكدا أن المغاربة داخل الوطن يواصلون العمل والإبداع والابتكار، وأن نجاح أي مشروع مشترك بين المغرب وجاليته بالخارج يظل رهينا بقدرة الجميع على الإنصات والتعاون وتوحيد الجهود.
واعتبر أن الفضاء الجامعي الذي احتضن هذا اللقاء يشكل نموذجا ناجحا للتعاون بين المغرب وكفاءاته المقيمة بالخارج، مستحضرا بدايات فكرة إنشاء هذه المؤسسة الجامعية التي انطلقت من مبادرة قادها نور الدين مؤدب رغبته في تأسيس جامعة عامة-خاصة بمساهمة مغاربة العالم، قبل أن تتحول الفكرة إلى مشروع قائم يجسد ثمرة سنوات من العمل والصبر وروح المبادرة.
وأكد أن نجاح مثل هذه المشاريع لم يكن ليتحقق لولا التواضع والمثابرة والقدرة على جمع الطاقات والكفاءات المختلفة والإنصات لحاجيات المغرب وجالياته بالخارج، معتبرا أن هذه القيم تشكل أحد أهم مفاتيح النجاح في بناء مشاريع تنموية مستدامة وقادرة على خلق جسور متينة بين الوطن وأبنائه عبر العالم.
وختم اليزمي كلمته بالتأكيد على أهمية مواصلة هذا المسار وتعزيز المبادرات التي تجمع الكفاءات المغربية داخل الوطن وخارجه، معربا عن أمله في أن تتواصل مثل هذه التجارب الناجحة وأن تسهم في خدمة التنمية الوطنية وتعزيز الروابط بين المغرب وجاليته المنتشرة عبر مختلف أنحاء العالم.
المصدر:
العمق