عاد ملف الهجرة ليحتل موقعا متقدما في النقاش العمومي بالمغرب، خلال الفترة الأخيرة؛ وذلك عقب تنامي حوادث عنف تورّط فيها مهاجرون من دول إفريقيا جنوب الصحراء فيها. وتطرح هذه التطورات تساؤلات متجددة حول طبيعة تدبير هذا الملف، في سياق تحوّل المغرب من بلد عبور إلى بلد استقبال واستقرار لفئات متزايدة من المهاجرين غير النظاميين.
ورغم ما يعكسه هذا التحول البنيوي من دينامية جديدة في السياسات العمومية للهجرة، فإنه أفرز واقعا مركبا تتداخل فيه تحديات الاندماج وصعوبات الولوج إلى الخدمات الأساسية، مع إكراهات الحفاظ على الأمن العام وتدبير التوترات الاجتماعية وضرورة التصدي الحازم لكل أشكال العنف وتفادي التعميم أو الوصم الجماعي؛ ليظل النقاش مفتوحا حول سبل بلورة مقاربة متوازنة تجمع بين متطلبات الأمن العام واحترام الحقوق الإنسانية.
أحمد درداري، رئيس المركز الدولي لرصد الأزمات واستشراف السياسات، قال إن المغرب عرف، خلال السنوات الأخيرة، تحولا في مقاربته لملف الهجرة، بعدما انتقل من كونه بلد عبور للمهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء في اتجاه أوروبا إلى بلد استقبال واستقرار لعدد متزايد منهم؛ وهو ما أفرز واقعا جديدا رافقته تحديات اجتماعية وأمنية متعددة، من بينها بعض الجرائم وأعمال العنف والصدامات التي شهدتها بعض المناطق بين مهاجرين وسكان محليين أو مع السلطات العمومية.
وأوضح درداري، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن هذا الواقع يفرض تقييما موضوعيا للسياسات المعتمدة في مجال الهجرة، مشيرا إلى عدد من المؤشرات التي تكشف هشاشة أوضاع فئات من المهاجرين وصعوبة ولوجهم إلى بعض الحقوق والخدمات الأساسية؛ غير أن ذلك لا يمكن أن يبرر أي سلوك عنيف أو إجرامي.
وأكد رئيس المركز الدولي لرصد الأزمات واستشراف السياسات أن كل الأفعال التي تمس حياة المواطنين أو تهدد الأمن العام تظل مرفوضة، وقد تستوجب اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، مع ضرورة التمييز بين مختلف أشكال العنف والحوادث المرتبطة بظاهرة الهجرة وعدم وضعها جميعا في سلة واحدة.
وأبرز المتحدث ذاته أن المواجهات التي تقع أحيانا مع السلطات العمومية خلال عمليات تفكيك مخيمات الهجرة غير النظامية أو أثناء محاولات اقتحام السياجات الحدودية المؤدية إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، إضافة إلى الاحتكاكات التي قد تنشأ مع بعض السكان المحليين نتيجة الإهانات أو الصور النمطية السلبية وصعوبات الاندماج الثقافي والاجتماعي، تشكل عوامل ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند تحليل أسباب تنامي بعض مظاهر العنف والجريمة.
وتابع درداري أن التصدي لمظاهر العنف والجريمة يقتضي التطبيق الصارم للقانون، مع تفعيل الإجراءات الإدارية المرتبطة بوضعية الإقامة غير النظامية لبعض المهاجرين؛ بما في ذلك الترحيل إلى بلدانهم الأصلية وفق الضوابط القانونية والاتفاقيات الدولية المعمول بها.
كما شدد المحلل المغربي على أهمية معالجة الأبعاد النفسية والإنسانية المرتبطة بتجارب عدد من المهاجرين، خاصة أولئك الذين عايشوا الحروب والنزاعات في بلدانهم الأصلية أو تعرضوا لصدمات خلال رحلات الهجرة الشاقة، فضلا عن الإحباط الناتج عن تعثر مشاريع الهجرة نحو أوروبا. وأوضح أن هذه العوامل، إلى جانب بعض حوادث العنف، تؤثر سلبا على الشعور بالأمن لدى المواطنين والمهاجرين على حد سواء.
ولفت درداري إلى أن صورة المهاجرين داخل المجتمع المغربي باتت تتأثر بشكل متزايد جراء تكرار بعض الحوادث المعزولة، على الرغم من الجهود المبذولة في مجال الإدماج والتعايش المشترك وعلى الرغم من الإمكانات الأمنية والاجتماعية التي سخرتها الدولة، فضلا عن أن الغالبية العظمى من المهاجرين تعيش بصورة سلمية وتحترم القوانين المعمول بها.
واعتبر أن المقاربة الأمنية المعتمدة في مكافحة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية، إلى جانب تعزيز الأمن الوقائي واحترام حقوق الإنسان وتطوير آليات الوساطة وتسوية النزاعات، تظل غير كافية بمفردها لضمان مختلف شروط التعايش والاندماج.
وأضاف أحمد درداري أن حوادث العنف المرتبطة ببعض المهاجرين المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء تطرح تحديا أمنيا حقيقيا أمام المغرب، محذرا من أن تفاقم هذه الظواهر قد يفرز إكراهات أمنية ودبلوماسية إضافية، خاصة في علاقات المملكة مع الدول المصدرة للهجرة، مشددا على أن معالجة هذه التحديات تقتضي الحفاظ على المقاربة الشمولية التي تجمع بين متطلبات الأمن واحترام حقوق الإنسان والتنمية والإدماج الاجتماعي.
اعتبر عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، أن تورط بعض الأشخاص المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء في جرائم خطيرة؛ من بينها جريمة القتل المروعة التي شهدتها منطقة الدروة بجهة الدار البيضاء، والاعتداء العنيف الذي استهدف سيدة ورضيعها، إلى جانب وقائع أخرى مماثلة، يثير معطيات مقلقة تستوجب التعاطي معها بحزم في إطار القانون، مؤكدا أن ضمان أمن المواطنين وصون السكينة العامة يظلان من الحقوق الدستورية الأساسية غير القابلة للمساومة.
وأدان الخضري، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، بشكل قاطع جميع أشكال العنف والاعتداء على الأشخاص والممتلكات، بغض النظر عن جنسية أو وضعية مرتكبيها، مشددا على ضرورة التطبيق الصارم للقانون ومحاسبة المتورطين وفق مساطر قضائية عادلة تكفل احترام مبادئ دولة الحق والقانون.
دعا رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان إلى تجنب التعميم وخطابات الكراهية والوصم الجماعي، معتبرا أن استغلال هذه الحوادث المعزولة لتغذية النزعات العنصرية أو التحريض ضد الأجانب ووصم الجالية الإفريقية برمتها يعد سلوكا مرفوضا من الناحيتين القانونية والحقوقية.
وأوضح الفاعل الحقوقي أن الجريمة تظل فعلا فرديا يتحمل مسؤوليته مرتكبها وحده، وأن المهاجرين المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء ليسوا كتلة متجانسة؛ بل يضمّون فئات هشة وعائلات تحترم القوانين الوطنية وتساهم في النسيج المجتمعي.
وشدد المتحدث ذاته على ضرورة فتح نقاش جاد حول السياسة الوطنية للهجرة، معتبرا أن تكرار هذا النوع من الحوادث يطرح تساؤلات مشروعة بشأن مدى نجاعة الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء التي اعتمدها المغرب منذ سنوات.
وأورد أنه على الرغم من أهمية البعد الإنساني الذي تقوم عليه هذه الاستراتيجية وما حققته من مكتسبات على مستوى حماية حقوق المهاجرين، فإن المرحلة الراهنة تفرض تعزيز جانبها العملي، لا سيما في ما يتعلق بمكافحة شبكات الاتجار بالبشر، وضبط تدفقات الهجرة، وتطوير آليات الإدماج، فضلا عن اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حق كل من يثبت تهديده للأمن العام، في إطار احترام الالتزامات والمواثيق الدولية ذات الصلة.
وأشار الفاعل الحقوقي ذاته إلى أن المركز الذي يترأسه سبق أن دعا إلى اعتماد مقاربة شمولية ومتوازنة تجمع بين متطلبات الأمن واحترام حقوق الإنسان، مؤكدا أن من أبرز التدابير المستعجلة تعزيز التنسيق بين السلطات العمومية والفاعلين الحقوقيين والمجالس والمؤسسات الدستورية المعنية، بما يتيح بلورة رؤية متجددة وفعالة.
وأكد الخضري أن هذه المقاربة ينبغي أن تقوم على الحزم في مواجهة مظاهر العنف والجريمة، وترسيخ هيبة الدولة وحماية الحدود وصون أمن المواطنين وسكينتهم، مع الوفاء في الوقت نفسه بالتزامات المغرب الدولية في مجال حماية حقوق الإنسان واللاجئين.
المصدر:
هسبريس