تزعم كل الأحزاب المغربية في خطاباتها، سواء خلال فترة الانتخابات أو قبلها، أنها تدافع عن تعزيز التمثيلية السياسية للنساء والدفع بهن إلى مواقع القرار، لكن جل هذه الهيئات السياسية تفشل في اختبار ذلك على أرض الواقع عند مرحلة منح التزكيات واقتراب موعد الانتخابات، وهو ما يكشف عن فجوة بين الخطاب والممارسة على هذا المستوى.
وتعول أغلبية الأحزاب السياسية على “الكوطا” التي تمنحها اللوائح الجهوية للنساء في الانتخابات التشريعية لتعزيز حضورهن في مجلس النواب، في حين أن ترشيحات النساء في اللوائح المحلية معدودة على رؤوس الأصابع، ولا تشكل ضمن مجموعة الترشيحات إلا نسبًا قليلة.
واستعدادًا لانتخابات 23 شتنبر، لم يرشح حزب التجمع الوطني للأحرار النساء إلا في أربع دوائر انتخابية محلية، ضمن 89 دائرة انتخابية تم الحسم في مرشحيها، وهو العدد ذاته الذي رشحه حزب العدالة والتنمية ضمن 91 دائرة انتخابية حُسم في تحديد مرشحيها. أما باقي الأحزاب فلن تخرج تقريبًا عن هذه النسب في ترشيح النساء، بحسب ما يرى مراقبون.
“مجال يحتكره الرجال”
وأشار أستاذ القانون الدستوري بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة، عبد الغني السرار، في تصريح لـ”العمق”، إلى بعض التدابير المحفزة والمشجعة على تعزيز التمثيلية السياسية للنساء في التجربة المغربية، وعلى رأسها الدستور الذي نص على المناصفة بين الرجال والنساء.
ولفت إلى تعديل القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب في سياق التحضير لاستحقاقات 2026، بحيث أصبحت اللائحة الجهوية مخصصة حصريًا للنساء، كما تم تعزيز حضور المرأة في الأحزاب إثر تعديل القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية، حيث اشترطت المادة السادسة منه توقيع أربع نساء على الأقل من أصل 12 عضوًا مؤسسًا، مع ضرورة مراعاة تمثيلية النساء بحضورهن في المؤتمر التأسيسي.
وعلى الرغم من كل التدابير المحفزة للمشاركة السياسية للمرأة، يقول السرار، فقد أظهرت الممارسة الميدانية أن العمل الحزبي ما زال مجالًا يحتكره الرجال وحدهم، وتم تغييب المرأة لعدة اعتبارات سياسية وثقافية وتاريخية تقليدانية مرتبطة بالتنشئة السياسية والمجتمعية، بحيث لم تحظ باهتمام إلا بمناسبة المحطات الانتخابية، وذلك بهدف استغلال وتوظيف صوتها الانتخابي لترجيح الكفة لصالح مرشح على حساب مرشح آخر.
وأكد أن المرأة ما زالت تعاني من عدم المساواة الفعلية بينها وبين الرجال في الواقع السياسي، مما جعل مشاركتها في الحياة السياسية محتشمة، “حيث نجد أن قيادتها للتنظيمات السياسية تبقى ضعيفة جدًا، ونفس الأمر بالنسبة لحضورها في التشكيلة الحكومية، وبالنسبة لرئاستها للجهات، ذلك أنه من أصل 12 جهة تم انتخاب امرأة واحدة رئيسة لجهة كلميم واد نون، وانتخاب ثلاث نساء في منصب عمدة لبعض المدن كـ(الرباط والدار البيضاء ومراكش)”.
هذا الأمر يجد مبرره، بحسب الأستاذ الجامعي، في كون أغلب الأحزاب تراهن على منح التزكيات للانتخابات التشريعية لبعض الوجوه والشخصيات القادرة على كسب رهان الفوز بالمقعد البرلماني، “لهذا نجد أنه حتى في الحالة التي مُنحت فيها التزكية لبعض الوجوه النسائية في اللوائح الجهوية، فإن أغلب الأحزاب اتجهت إلى بعض الوجوه النسائية المعروفة مثلًا في الوسط الفني، والتي لها شهرة في المجتمع، بالشكل الذي يجعلها قادرة على التأثير في أصوات الناخبين”.
واسترسل: “وهذا في حد ذاته يطرح أكثر من سؤال بخصوص تفضيل بعض الوجوه النسائية التي ليس لها أي تاريخ سياسي، علمًا بأن من وظائف الأحزاب السياسية التأطير والتكوين السياسيين، فأغلب الأحزاب السياسية تتوفر على منخرطات ومناضلات من الوجوه النسائية، لكن حينما يتعلق الأمر بمنح التزكيات للانتخابات التشريعية، تميل بعض الأحزاب إلى منحها لبعض الوجوه النسائية التي لا تربطها أية علاقة بهذه الأحزاب، وهو سلوك يخلق التذمر لدى النساء المنخرطات في هذه الأحزاب”.
عاملان أساسيان
من جهته، قال الباحث في العلوم السياسية محمد شقير إن جل الأحزاب تركز عادة في خطابها على أهمية تعزيز التمثيلية النسائية سواء على الصعيد المحلي والجهوي أو الوطني، “بما فيها الأحزاب ذات المرجعية الدينية أو التقليدية كحزب العدالة والتنمية”.
ويعود هذا التركيز على أهمية تعزيز التمثيلية السياسية للنساء بالأساس، حسب ما أوضح شقير في تصريح لـ”العمق”، إلى عاملين أساسيين؛ يتمثل الأول في “الدور الفعال الذي تلعبه النساء ضمن التركيبة المغربية سواء على الصعيد الاجتماعي أو على الصعيد الاقتصادي”.
أما العامل الثاني، فيضيف شقير، فيتمثل في الإرادة السياسية التي تعبر عنها الدولة في تعزيز التمثيلية السياسية للنساء، خاصة في عهد الملك محمد السادس، الذي اتخذت في فترة حكمه إجراءات استراتيجية، سواء التنصيص الدستوري على المناصفة، أو على الصعيد الاجتماعي من خلال مدونة الأسرة التي يُعمل الآن على تعديلها بشكل يتناسب مع مختلف التطورات التي عرفتها وضعية المرأة بالمجتمع.
وينص الفصل 19 من الدستور على أن “يتمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، الواردة في هذا الباب من الدستور، وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها”.
واستدرك شقير بأن خطاب الأحزاب عادة لا يتماشى مع طموحاتها الانتخابية، “حيث إن تركيزها على الحصول على أكبر عدد من المقاعد سواء في البرلمان أو في المجالس المحلية يفرض عليها ترشيح مرشحين ذكورًا، خاصة من الأعيان، لما يتوفر عليه هؤلاء من رصيد رمزي وإمكانيات تمثيلية وشبكات علائقية”.
واسترسل المتحدث بأن الحقل الانتخابي، الذي تشكل فيه النساء خزانا انتخابيا مهما، “عادة لا يثق في كفاءة النساء كمرشحات وفي نجاحهن في منافسة مرشحي الأحزاب الأخرى من الرجال، حيث لا تغامر القيادات الحزبية بترشيح النساء إلا في اللوائح الجهوية، في إطار حصص “الكوطا””.
بالإضافة إلى ذلك، فإن طبيعة القيادات الحزبية التي يغلب عليها الطابع الذكوري تساهم في إعادة إنتاج البنية التمثيلية نفسها داخل الأحزاب، حيث تميل هذه القيادات، في إطار “التماهي الجنسي”، إلى تفضيل مرشحين من الذكور عند منح التزكيات وتحديد لوائح الترشيح، بحسب المتحدث ذاته.
تطور ملحوظ
وعرف تعزيز التمثيلية السياسية للنساء في المؤسسات المنتخبة بالمغرب تطورًا ملحوظًا، ذلك أن المغرب أقر بشكل مبكر مساواة المرأة مع الرجل في الحقوق السياسية منذ أول دستور سنة 1962، وضمن لها ممارسة حقها في التصويت والترشيح منذ أول انتخابات تشريعية عرفها سنة 1963، بحسب ما أشار إليه السرار.
وقال السرار في تصريح لـ”العمق” إن الممارسة الفعلية أثبتت أن هذه المساواة تم اختزالها في حق الانتخاب فقط، بحيث لم تتمكن المرأة المغربية من ولوج مؤسسة البرلمان إلا سنة 1993، بداية التواجد الفعلي بنائبتين عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في شخص النائبة بديعة الصقلي برسم الولاية التشريعية 1993-1997، وحزب الاستقلال في شخص لطيفة بناني سميريس برسم الولاية التشريعية 1993-1997.
ومع تولي الملك محمد السادس الحكم، ونتيجة لأجواء الانفتاح الديمقراطي وقبيل الانتخابات التشريعية لسنة 2002، يقول السرار، تم العمل بأسلوب “الكوطا” بتخصيص ثلاثين مقعدا للنساء في إطار اللائحة الوطنية من أصل 325 مقعدا، بموجب المادة الأولى من القانون التنظيمي رقم 31.97 المتعلق بمجلس النواب.
واسترسل: “ومنذ ذلك الحين كثر الحديث عن الرفع من التمثيلية السياسية للمرأة، وظلت الدعوة إلى ترسيخها وتعزيزها حاضرة بقوة في خطابات التنظيمات السياسية والحقوقية”، قبل أن تصدر اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة، في فبراير 2008، التوصية رقم 25، التي طالبت فيها المغرب باتخاذ بعض التدابير التشريعية الفعالة لزيادة التمثيل السياسي للمرأة على جميع المستويات.
وعلى مستوى الغرفة الأولى للبرلمان، تم تعويض الدائرة الانتخابية الوطنية بدوائر انتخابية جهوية، مع إلزامية تضمين لوائح الترشيح برسم الدوائر الانتخابية الجهوية مترشحات لا يقل عددهن عن ثلثي عدد المقاعد الواجب ملؤها في كل دائرة انتخابية جهوية، مع ضرورة تخصيص المرتبتين الأولى والثانية في كل لائحة ترشيح حصريًا للنساء، وذلك بموجب المادة الأولى من القانون التنظيمي رقم 04.21 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب.
ومكنت مختلف التدابير المتخذة، يشير السرار، من مشاركة النساء والرفع من تمثيليتهن في مجلس النواب، بدءًا بتخصيص لائحة وطنية للنساء والشباب التي أفرزت انتخاب 67 امرأة في استحقاقات 2011، و81 امرأة في اقتراع 2016، وصولًا إلى اللائحة الجهوية التي تمخض عنها انتخاب 96 امرأة برسم الاستحقاقات التشريعية المجراة سنة 2021.
المصدر:
العمق