قدمت فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة والمنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، توضيحات موسعة بشأن عدد من القضايا التي أثارت نقاشا واسعا خلال الأسابيع الأخيرة، وفي مقدمتها ملف العقار العائلي بمنطقة تسلطانت بضواحي مراكش، وبرنامج الدعم المباشر للسكن، وتداعيات أزمة الأضاحي، إضافة إلى قضايا سياسية وتنظيمية مرتبطة بحزب الأصالة والمعاصرة.
وخلال حوار مطول ضمن بودكاست “TOUIL TALKS”، أكدت المنصوري أن الجدل المرتبط ببيع العقار العائلي بمنطقة تسلطانت بُني على معطيات وصفتها بـ”غير الدقيقة”، معتبرة أن العديد من القراءات التي تم تداولها أغفلت السياق القانوني والإداري الكامل للملف.
وأوضحت أن الأرض موضوع النقاش آلت إليها وإلى أفراد من عائلتها عن طريق الإرث الشرعي بعد وفاة والدها، وأنها ظلت ضمن الممتلكات المصرح بها بشكل رسمي في إطار التصاريح الإجبارية بالممتلكات التي يخضع لها المسؤولون المنتخبون والوزراء، والتي تتم مراقبتها من قبل المجلس الأعلى للحسابات.
وأضافت أن عملية البيع لم تتم بشكل استثنائي أو خارج المساطر المعمول بها، بل خضعت لجميع الإجراءات القانونية والإدارية الجاري بها العمل، مشددة على أن كل الوثائق المتعلقة بالملف موجودة لدى الجهات المختصة ويمكن الرجوع إليها عند الحاجة.
تضارب مصالح التعمير!!
وفي معرض ردها على الاتهامات المرتبطة بتضارب المصالح، أكدت المنصوري أن تصميم التهيئة الذي أدرج العقار ضمن المجال القابل للتعمير تمت المصادقة عليه سنة 2017، أي قبل سنوات من توليها مسؤولية رئاسة المجلس الجماعي لمراكش أو حقيبة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان.
وأبرزت أن إعداد وثائق التعمير والمصادقة عليها يتم عبر مساطر مؤسساتية معقدة تشارك فيها قطاعات حكومية متعددة ومصالح تقنية ولجان مختصة، فضلاً عن مراحل البحث العمومي والاستشارات القانونية والإدارية، قبل أن يتم اعتمادها ونشرها بالجريدة الرسمية.
وأكدت أن تحويل أجزاء واسعة من منطقة تسلطانت إلى مناطق قابلة للتعمير لم يكن قرارا يخص عقارا بعينه، بل كان جزءا من رؤية عمرانية شملت آلاف الهكتارات بهدف مواكبة التوسع الحضري الذي تعرفه مدينة مراكش ومحيطها.
كما نفت صحة المعطيات التي ربطت الملف بوثيقة تخطيطية كانت تقضي بالإبقاء على الطابع الفلاحي للأرض، موضحة أن المخطط التوجيهي الذي استندت إليه بعض التقارير الإعلامية لم يتم اعتماده نهائيا، كما تم إلغاؤه بقرارات وإجراءات إدارية سبقت تعيينها وزيرة.
كوليس عقار تسلطانت
وحول الانتقادات التي طالت قيمة الصفقة العقارية، أوضحت المنصوري أن الأسرة لم تكن تتوفر على الإمكانيات المالية اللازمة لإنجاز مشروع عقاري ضخم فوق الأرض، ما دفعها إلى اختيار البيع بدل الاستثمار المباشر.
وأضافت أن الثمن الذي بيعت به الأرض كان مطابقا للأسعار الرائجة في السوق خلال تلك الفترة، مؤكدة أن الأرباح التي حققها المستثمر لاحقا بعد تطوير المشروع لا يمكن اعتبارها مؤشرا على وجود خلل في عملية البيع، بل تندرج ضمن منطق الاستثمار القائم على المخاطرة والتمويل وتطوير المشاريع.
كما شددت على أنها لم تتدخل في أي مرحلة من مراحل الترخيص للمشروع الذي أقيم لاحقا فوق العقار، موضحة أن المشتري هو من تولى استكمال المساطر القانونية والحصول على التراخيص اللازمة من الإدارات المختصة.
وكشفت الوزيرة أنها اختارت سلوك المسار القضائي في مواجهة بعض المنابر الإعلامية التي اعتبرت أنها نشرت معلومات غير دقيقة أو لم تمنحها فرصة الرد وتقديم التوضيحات الضرورية.
وأكدت أن القضاء يظل المؤسسة المخول لها الفصل في مثل هذه النزاعات، معتبرة أن النقاش العمومي يجب أن يستند إلى الوقائع والوثائق الرسمية بعيدا عن التأويلات أو الأحكام المسبقة.
حصيلة دعم السكن
وفي ملف السكن، استعرضت المنصوري حصيلة برنامج الدعم المباشر للسكن الذي أطلقته الحكومة، مؤكدة أن عدد المستفيدين تجاوز إلى حدود اليوم 106 آلاف مستفيد ومستفيدة.
وأوضحت أن البرنامج يمثل تحولا جوهريا في السياسة العمومية للإسكان، حيث انتقلت الدولة من منطق دعم العرض العقاري عبر المنعشين إلى منطق دعم الطلب عبر تمكين الأسر مباشرة من إعانة مالية تساعدها على اقتناء السكن الذي يناسب احتياجاتها وقدراتها المالية.
وأضافت أن متوسط مساحة الشقق التي يقل سعرها عن 300 ألف درهم يصل إلى نحو 62 مترا مربعا، بينما يبلغ متوسط مساحة الوحدات السكنية التي تتراوح أسعارها بين 300 ألف و700 ألف درهم حوالي 80 مترا مربعا.
وأكدت أن الحكومة تعمل حاليا على توسيع نطاق البرنامج ليشمل العالم القروي بشكل أكبر، من خلال دراسة صيغ جديدة تسمح للأسر التي تمتلك أراضي خاصة بالاستفادة من دعم مباشر للبناء، بدل الاقتصار على اقتناء مساكن جاهزة.
كما اعتبرت أن إلغاء شرط إنجاز 500 وحدة سكنية الذي كان مفروضا في البرامج السابقة ساهم في فتح المجال أمام المقاولات الصغرى والمتوسطة للولوج إلى سوق العقار، بما يساهم في تنويع العرض السكني وخلق فرص جديدة للاستثمار والتشغيل.
اختلالات سوق الأضاحي
وفي ما يتعلق بارتفاع أسعار الأضاحي خلال الموسم الأخير، أكدت المنصوري أن الحكومة تتحمل مسؤوليتها السياسية في تدبير الملف، مشيرة إلى أن المعطيات الأولية المتوفرة تؤكد وجود اختلالات في التوازن بين العرض والطلب.
وأوضحت أن سنوات الجفاف المتتالية أثرت بشكل مباشر على المربين الصغار الذين يشكلون جزءا مهما من منظومة إنتاج الماشية، ما أدى إلى تراجع العرض الوطني وارتفاع الأسعار.
وأضافت أن الحكومة اتخذت إجراءات لدعم القطاع والحفاظ على القطيع الوطني، غير أن النتائج المحققة تستوجب التقييم والمراجعة، مشيرة إلى أن وزارة الفلاحة تواصل إعداد تقييم شامل لتحديد أسباب الاختلالات المسجلة.
وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، أكدت المنصوري أن الحكومة اشتغلت في ظروف دولية استثنائية اتسمت بتداعيات جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية والارتفاع غير المسبوق في أسعار الطاقة والمواد الأولية.
وأبرزت أن الدولة واصلت دعم عدد من المواد الأساسية وعلى رأسها غاز البوتان، كما أطلقت مجموعة من البرامج الاجتماعية الرامية إلى حماية القدرة الشرائية للمواطنين.
واعتبرت أن ورش تعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية الإلزامية يشكل أحد أبرز الإصلاحات الاجتماعية التي تم تنفيذها خلال السنوات الأخيرة، رغم التحديات المرتبطة بالموارد البشرية والتجهيزات الصحية.
ربط المسؤولية بالمحاسبة
وفي الشق السياسي، شددت المنصوري على أن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر المؤسسات الدستورية والقانونية المخول لها المراقبة والتقييم، من قبيل البرلمان والمجالس الرقابية والمحاكم المختصة.
وأكدت أن دولة الحق والقانون تقوم على احترام المساطر والمؤسسات، وليس على إطلاق الاتهامات أو إصدار الأحكام المسبقة في حق الأشخاص أو المسؤولين العموميين.
كما دافعت عن الأحزاب السياسية باعتبارها ركيزة أساسية للديمقراطية التمثيلية، معتبرة أن إضعاف الثقة فيها ينعكس سلباً على المشاركة السياسية والمؤسسات المنتخبة.
تفاصيل استقطاب لقجع
وفي الجانب الحزبي، كشفت المنصوري عن وجود اتصالات متواصلة مع الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع منذ أكثر من سنة، مؤكدة أنها عبرت له أكثر من مرة عن رغبة حزب الأصالة والمعاصرة في التحاقه بالحزب.
ووصفته بأنه من بين أبرز الكفاءات التي تتوفر عليها البلاد، مشيدة بخبرته في تدبير الملفات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، غير أنها أكدت أن لقجع لم يحسم بعد موقفه النهائي من هذه الفكرة.
وبخصوص التكهنات التي تربط احتمال التحاق فوزي لقجع بالحزب بإمكانية قيادته للحكومة مستقبلاً في حال تصدر الحزب للانتخابات المقبلة، رفضت المنصوري الخوض في هذا السيناريو.
وأكدت أن تعيين رئيس الحكومة يتم وفق المقتضيات الدستورية وفي إطار الاختصاصات المخولة لـ الملك محمد السادس، معتبرة أن الحديث عن الأسماء والأشخاص سابق لأوانه.
كما شددت على أنها لم تسع خلال مسارها السياسي إلى المناصب، مؤكدة أن مختلف المسؤوليات التي تقلدتها جاءت نتيجة اختيارات تنظيمية داخل الحزب.
وشددت على أن الرهان الأساسي بالنسبة لحزب الأصالة والمعاصرة يتمثل في تعزيز حضوره السياسي والاستعداد للاستحقاقات المقبلة من خلال تقديم مشاريع وبرامج تستجيب لتطلعات المواطنين، معتبرة أن الحكم على الفاعلين السياسيين ينبغي أن يستند إلى الإنجازات والحصيلة العملية أكثر من أي اعتبارات أخرى.
المصدر:
العمق