في تقديم أحدث كتب محمد عبد الوهاب العلالي “صحافة الشاشات: العالم شاشة صغيرة” استحضر الأستاذ بالمعهد العالي للإعلام والاتصال القول إن “العامل الاقتصادي هو العامل الأساسي المحفز لتطور المجتمعات”، ليسجل أن معاينته البحثية لتطور الكثير من المجتمعات أبرزت أن “العامل الاتصالي يمكن أن يكون عاملاً أساسياً محدداً في الوقت الراهن لتطورات المجتمعات”.
وخلال لقاء تقديم الكتاب الجديد ونقاشه، الذي نظمته “مكتبة الألفية” بالعاصمة الرباط، ذكر العلالي أنه في عالم تحتدم الصراعات الكبرى العالمية، وتحكم السياسات الدولية الكبرى بالنقرات والنقرات المضادة والتصريحات والتصريحات المضادة، يسرع “العامل الاتصالي” وتيرة جميع أصناف العلاقات بين الفئات الاجتماعية، وبين الطبقات الاجتماعية، والفاعلين السياسيين، وبين الحاكمين والمحكومين، والمركز والهامش، وبين الأجيال، والأزمنة.
وينطلق الكتاب الجديد، وفق صاحبه، من هذا الهاجس وفق منطلق سوسيولوجي، ينظر إلى “علاقة السلطة، والإعلام، والمجتمع”؛ لأن “هذا المثلث هو عنصر أساسي في فهم التحولات الاجتماعية ودور الإعلام في المجتمعات؛ لأنه كثيراً ما نرى بعض النظرات وبعض الأطروحات الاختزالية التي تعالج مسألة الإعلام داخل المجتمعات بإحدى الثنائيات، إما علاقة الإعلام بالصورة أو علاقة الإعلام بالمجتمع، بدون أن تكون هناك رؤية ثلاثية مندمجة”.
ويضم الكتاب “عدة كتب” تجيب عن مثلث السلطة والإعلام والمجتمع؛ “لأنه في الحقيقة تم تأليفه بطريقة ميدانية، كأستاذ باحث مشارك في النقاش الفكري الذي يدور حول قضايا الإعلام والاتصال في العالم العربي. وكل مرة كنت استدعى لندوة أو مؤتمر أحضر ورقة (…) مثلاً، الدراسة الأولى التي تتحدث عن تفسير اتصالي لوهم الربيع العربي. وهذه الدراسة بدأت مع الربيع العربي، وهي تفسير كيف أن الإعلام استطاع أن يسقط أنظمة سياسية عتيقة، ولكن لم يستطع إعادة البناء”، وفق المتحدث ذاته.
ومن الدراسات ما تدرس أخلاقيات المحتوى التلفزيوني، وتطورات هذا المحتوى في التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي، مع شرح “إمكانية رؤية تكاملية”، مع وقوف عند التجربة التلفزيونية المغربية، وتاريخ التطور الصحافة المغربية، خاصة في مرحلة كورونا، وأزمة النموذج الاقتصادي، بل و”الأزمة الوجودية للصحافة”. ثم “الذكاء الاصطناعي” التي “كانت دراسة أتأسف لأنها كان من المنتظر أن تنشر في كتاب بالإنجليزية مع فريق دولي، لكن كثيرا من الصحفيين الذين يطالبون الدولة بالحق في الحصول على المعلومات لا يعطون للباحثين المعلومات المطلوبة في الوقت المناسب. وقد قمنا بتوزيع 500 استمارة على الصحفيين لأجل الإجابة والوصول إلى عينة تمثيلية واسعة، لكن تأخر الأمر شهرين، ولم يكن من الممكن اللحاق بمواعيد النشر”، يورد الكاتب ذاته، وواصل: “في ظل المشاكل الكبيرة جدا بين الدولة والصحفيين بسبب المجلس الوطني للصحافة، أو الوضعية المزرية للصحفيين، وأسئلة مثل الاستفادة من سوق الإعلانات وتحدي حقوق الوطن، والهيمنة القادمة للغة الإنجليزية بعد هيمنة المحتويات المركزية الغربية، يأتي هذا الكتاب محاولة لاستشراف تطورات وواقع الإعلام والاتصال في بلادنا”.
وفي اللقاء الذي سيرته الصحافية صباح بنداوود ذكر مهدي عامري، أستاذ بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، أن “الشاشة ليست أداة للعرض، ولا سطحا زجاجيا محايدا (…) وليست وسيطا بسيطا بين المرسل والمتلقي، بل هي استعارة لهذا العصر الجديد، العصر الذي تخترقه الخوارزميات، ويخترقه الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح يعاني في السنوات الأخيرة وعلى مدار الحقبة الزمنية التي تغطيها فصول هذا الكتاب (…) الذي لا يكتب فيه الأستاذ العلالي عن الصحافة بوصفها مهنة معزولة عن المجتمع، ولا يكتب أيضا عن التكنولوجيا بوصفها قدرا محايدا، بل يكتب عن العلاقة المركبة بين الإعلام والسياسة والديمقراطية والقيم والذكاء الاصطناعي وأيضا الفضاء العمومي”.
زهور كرام، أستاذة بجامعة محمد الخامس، تحدثت عن عيش المجتمعات اليوم “ما تسمى مراجعة المفاهيم، حتى التعاقد المجتمعي، التعاقد السياسي؛ فكل هذه المواثيق ينبغي أن يعاد التفكير فيها انطلاقاً من منطق جديد في التفكير، وانطلاقا أيضا من أدوات تفكير جديدة تنتمي إلى العصر التكنولوجي”، ثم استرسلت: “إن هذا الكتاب مهم جدا (…) وكلما فكرنا في موضوع له علاقة بالتحولات المجتمعية، السياسية، الاقتصادية، الثقافية في هذا العصر الذي نعيشه يكون هذا التفكير هو في صالح ذواتنا (…) لأن التحدي الكبير الذي نعيشه اليوم أننا نفكر في موضوع نحن موضوع له (…) التحدي الكبير اليوم للعقل العربي وللعقل المغربي اليوم هو أننا نفكر في موضوع هو راهن نحن نعيشه لأنه موضوع ننتمي إليه”.
وعند التفكير في موضوع له علاقة بالثورة الرقمية وبمختلف التحولات ينبغي التفكير “انطلاقا من علوم جديدة، وهي علوم أو علم الإنسانية الرقمية (…) لأن التفكير بالعلوم الإنسانية التي أصبحت اليوم كلاسيكية سوف يؤدي بنا إلى مقاربات استهلاكية؛ والتفكير المستهلك هو من أقصى درجات التخلف التي قد تعيشها بعض المجتمعات”، تردف المتحدثة ذاتها.
ومن بين ما نبهت إليه كرام أن التطور الحالي يسائل الديمقراطية ذاتها، مع استحضارها أن “وسائل الاتصال سمحت للمواطن بأن يتحول إلى مجرد مستخدم”، كما تطرقت إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي “يتغذى من منتج الإنسان”، و”الصراع الموجود” هو كيفية تحقيق المعادلة “بين الذكاء الاصطناعي وبين الإنسان، دون أن نفرط في إنسانيتنا”.
عمر بنعياش، أستاذ بجامعة محمد الخامس، اعتبر أن الكتاب الجديد “كتاب دسم جدا، وجميل جدا، وفيه مجهود كبير”، وتوقف عند مواضيع أثارها الكاتب عبد الوهاب العلالي، من بينها أن أزمة “الصحافة المكتوبة في المغرب تتجاوز مجرد تراجع في المبيعات، لتعبر عن أزمة هيكلية مركبة تضع الصناعات الإعلامية برمتها على المحك”، وواصل: “طبعا ما يصدق على الصحافة يصدق على الكتاب وعلى المجلة (…) وشبكة التوزيع في المغرب تعد إحدى كبريات نقاط الضعف البنيوية بدليل البيانات المتعلقة بالأعداد المسحوبة من الكتب (…) ما يجعل الكتاب عندنا مهما كانت أهميته ودرجة نفعه يمر عابرا دون أن يلفت نظرا أو يحدث ضجيجا”.
وفي ظل عدم وجود “العلاقة المرتبة أو الموثقة بعقود والتزامات بين الكاتب ودور النشر والتوزيع في بلادنا”، إلا في “حدود ضيقة”، ذكر المتدخل أن هذا “القلق ساور الباحث، وعبر عنه بالسؤال في الكتاب عن الكيفية التي يمكن أن تجعل الصناعات الإبداعية عندنا تتحول من مجرد ترف ذهني إلى عامل بنيوي فعال في بناء الإنسان المغربي”.
أما عبد الحق بلشكر، كاتب صحافي، فتطرق إلى موضوع تغير الأجيال الصحافية وهجرة الصحافة إلى مهن الإدارة والجامعة، بينما “تهتم الأجيال الجديدة بالصحافة الرقمية، أكثر من صحافة التحليل والتحقيق والميدان”، كما اهتم بمواضيع من بينها “تراجع احتكار البث من طرف وسائل الإعلام العمومية والتلفزيون (…) بعد ظهور تقنية البث المباشر عبر ‘يوتوب’، ثم ‘فيسبوك'”، وتحولات مصادر الأخبار وموقع المواطن في علاقته بالإعلام وصنع الحدث “الذي جعل المعلومة اليوم لم يعد مصدرها فقط وسائل الإعلام التقليدية في العالم”، مع ما يطرحه الأمر من مخاطر “الأخبار الزائفة” التي “يقع الصحافي أحيانا ضحيتها”.
المصدر:
هسبريس