هبة بريس- ع محياوي
يمثل مشروع إحداث الشركات الجهوية متعددة الخدمات أحد أبرز الأوراش الإصلاحية التي أطلقتها المملكة خلال السنوات الأخيرة بهدف تحديث تدبير خدمات توزيع الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل، من خلال إرساء نموذج جديد للحكامة الجهوية وتعزيز جودة الخدمات العمومية المقدمة للمواطنين.
ويأتي هذا المشروع في سياق التحولات التي يشهدها تدبير المرافق العمومية، حيث تم تصميمه وفق مقاربة تشاركية جمعت عدداً من القطاعات والمؤسسات الوطنية المعنية، من بينها وزارة الداخلية ووزارة الاقتصاد والمالية ووزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، إلى جانب مختلف الشركاء الاجتماعيين والمؤسساتيين.
ومنذ انطلاق مرحلة التنزيل العملي لهذا الورش، تم التأكيد على أهمية الحفاظ على الحقوق والمكتسبات الاجتماعية والمهنية للمستخدمين الذين انتقلوا من المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب والوكالات المستقلة إلى الشركات الجهوية متعددة الخدمات، باعتبار العنصر البشري ركيزة أساسية لضمان نجاح هذا التحول المؤسساتي.
وفي المقابل، أفرزت المراحل الأولى من التنفيذ مجموعة من التحديات المرتبطة بتدبير الموارد البشرية، خاصة فيما يتعلق بملفات التأطير والمسؤولية المهنية وآليات التحفيز والتعويضات المرتبطة بالمناصب القيادية.
وتشير معطيات متداولة داخل القطاع إلى وجود تفاوتات في بعض الوضعيات المهنية والتعويضات بين مسؤولين يشغلون مهام متقاربة داخل عدد من الشركات الجهوية، وذلك نتيجة اختلاف الأنظمة المرجعية التي انتقلوا منها قبل إحداث هذه الشركات. ويثير هذا الوضع نقاشاً متزايداً حول سبل تحقيق الانسجام بين مختلف المكونات البشرية وضمان تكافؤ الفرص داخل المؤسسات الجديدة.
ويرى عدد من المتابعين أن نجاح الإصلاح يقتضي إيجاد توازن دقيق بين الحفاظ على الحقوق المكتسبة من جهة، والاستجابة لمتطلبات العدالة المهنية والإنصاف الوظيفي من جهة أخرى، بما يضمن استقرار الأطر والكفاءات ويعزز انخراطها في تحقيق أهداف المشروع.
كما يطرح الملف تحديات مرتبطة بمستقبل المسارات المهنية والتحفيز الوظيفي، خاصة بالنسبة للكفاءات الشابة التي يعول عليها في مواكبة التحولات التي تعرفها هذه المؤسسات، في وقت يظل فيه الحفاظ على الخبرات المتراكمة وضمان استمرارية الاستفادة منها أحد الرهانات الأساسية لإنجاح مرحلة الانتقال.
وفي السياق ذاته، يثير عدد من الأطر المنحدرة من المؤسسات السابقة تساؤلات مرتبطة بضرورة الحفاظ على الضمانات الاجتماعية والتقاعدية التي راكموها خلال مسارهم المهني، وهو ما يجعل أي إصلاح مستقبلي مطالباً بمراعاة التوازن بين متطلبات التطوير المؤسساتي واحترام الحقوق المكتسبة.
ويؤكد مهتمون بالشأن التدبيري أن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز التقارب بين مختلف الممارسات المعتمدة داخل الشركات الجهوية متعددة الخدمات، من خلال تطوير آليات موحدة وشفافة لتدبير الموارد البشرية، بما يضمن تحقيق العدالة المهنية وتحفيز الكفاءات وتعزيز جاذبية مناصب المسؤولية.
وتبقى الشركات الجهوية متعددة الخدمات مطالبة خلال السنوات المقبلة بتحقيق معادلة دقيقة تجمع بين النجاعة الاقتصادية وجودة الخدمات العمومية من جهة، وتثمين الرأسمال البشري وترسيخ مبادئ الإنصاف والحكامة الجيدة من جهة أخرى، بما يضمن نجاح هذا الورش الإصلاحي الاستراتيجي وتحقيق الأهداف التي أُحدث من أجلها.
كما أن المحافظة على الكفاءات الشابة واستقطاب المسؤولين المؤهلين يشكلان اليوم أحد التحديات الرئيسية التي تواجه هذه المؤسسات خلال مرحلة البناء والتطوير.
هدا و يرى عدد من المتابعين أن دراسة إمكانيات التسوية التدريجية لبعض الوضعيات التي نشأت خلال مرحلة إحداث الشركات الجهوية متعددة الخدمات من شأنه أن يعزز الثقة داخل المؤسسات ويساهم في ترسيخ مبادئ العدالة المهنية وتكافؤ الفرص
المصدر:
هبة بريس