أكد المحلل السياسي رضوان جخا أن العلاقات التي تجمع المملكة المغربية والمملكة المتحدة تشهد في السنوات الأخيرة دينامية متسارعة جعلتها تبلغ إحدى أزهى مراحلها، مستندة إلى إرث تاريخي يمتد لأكثر من ثمانية قرون، ومترجمة اليوم في شكل شراكة استراتيجية تتوسع باستمرار على المستويين السياسي والاقتصادي.
وأوضح جخا، في تصريح لجريدة “العمق”، أن زيارة وزير الدولة البريطاني المكلف بالتجارة الدولية، كريس براينت، إلى المغرب، مرفوقاً بوفد يضم نحو خمسين شركة ومقاولة بريطانية، تعكس حجم الاهتمام الذي توليه لندن لتعزيز تعاونها مع الرباط، وتؤشر على مرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية بين البلدين.
وأشار المتحدث إلى أن المبادلات التجارية المغربية البريطانية سجلت نمواً لافتاً خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفعت من نحو 2.7 مليار جنيه استرليني سنة 2021 إلى حوالي 4.5 مليار جنيه استرليني حالياً، مع توقعات بمواصلة هذا المنحى التصاعدي في ظل الفرص الاستثمارية المتاحة بالمملكة.
واعتبر جخا أن هذا التقارب الاقتصادي تعزز بشكل أكبر بعد الموقف السياسي الذي عبرت عنه المملكة المتحدة سنة 2025 بشأن قضية الصحراء المغربية، عندما أعلنت دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل جدي وواقعي للنزاع الإقليمي.
وأضاف أن هذا التوجه تجسد من خلال زيارة ديفيد لامي، وزير الخارجية البريطاني الأسبق ووزير الدولة المكلف بالعدل حالياً، كما تعزز بمواقف رسمية أخرى عبّرت عنها شخصيات بارزة في الدبلوماسية البريطانية، من بينها وزيرة الداخلية السابقة إيفيت كوبر، خلال لقائها مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة.
وسجل المحلل السياسي أن بريطانيا، باعتبارها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي، إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، تضطلع بدور مهم داخل الهيئة الأممية، مشيراً إلى أن موقفها الداعم للوحدة الترابية للمملكة يمنح زخماً إضافياً للمساعي الدبلوماسية المغربية.
وأكد جخا أن المغرب بات يصنف ضمن أهم خمسة شركاء اقتصاديين للمملكة المتحدة في المنطقة، بفضل ما يوفره من فرص استثمارية واعدة ترتبط بالأوراش الاستراتيجية الكبرى التي أطلقها الملك محمد السادس، وفي مقدمتها المبادرة الملكية الأطلسية، ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي الرابط بين المغرب ونيجيريا، إضافة إلى المشاريع المرتبطة بالاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030.
وأضاف أن لندن سبق أن أعلنت عزمها ضخ استثمارات تصل قيمتها إلى خمسة مليارات جنيه استرليني بالمغرب، مرجحاً أن تشمل هذه الاستثمارات عدداً من المشاريع التنموية بالأقاليم الجنوبية للمملكة.
وعلى المستوى السياحي، أشار المتحدث إلى أن المغرب استقبل خلال السنة الماضية أكثر من مليون ونصف مليون سائح بريطاني، ما يعكس المكانة المتزايدة التي تحتلها الوجهة المغربية لدى السياح البريطانيين، ويفتح المجال أمام مزيد من التعاون في قطاعات السياحة والخدمات اللوجستية والطاقات المتجددة والبنيات التحتية.
وأكد جخا أن هذه المجالات شكلت محوراً أساسياً خلال مشاركة الوزير البريطاني في الدورة الرابعة لمنتدى الأعمال المغربي البريطاني، وهو ما يعكس رؤية لندن للمغرب باعتباره منصة استراتيجية وبوابة رئيسية نحو الأسواق الإفريقية.
وفي السياق ذاته، أبرز المحلل السياسي الدور الذي لعبه البرلمان البريطاني في الدفع نحو تبني موقف أكثر وضوحاً بشأن قضية الصحراء المغربية، مذكراً بأن أكثر من ثلاثين برلمانياً من مجلسي العموم واللوردات كانوا قد وجهوا، في ماي 2024، رسالة إلى وزير الخارجية البريطاني آنذاك ديفيد كاميرون، دعوا فيها إلى دعم مبادرة الحكم الذاتي بشكل صريح.
ويأتي هذا التطور في العلاقات الثنائية في وقت التقى فيه وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، أول أمس الثلاثاء بالرباط، وزير الدولة البريطاني المكلف بالتجارة الدولية كريس براينت، حيث بحث الجانبان سبل تطوير الشراكة الاقتصادية والتجارية وتعزيز التعاون في عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك.
المصدر:
العمق