آخر الأخبار

إغلاق مستشفى المينورسو.. هل بدأت الأمم المتحدة الانسحاب التدريجي من الصحراء؟

شارك

قررت بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المينورسو إغلاق المستشفى الواقع داخل مقرها بمدينة العيون، وذلك بعد مرور ثلاثة أسابيع على إنهاء مهام حوالي عشرين عضوا من طاقمها الطبي، في خطوة تندرج ضمن مسار تدريجي لتقليص أعداد موظفيها وإعادة توجيه أنشطتها في المنطقة.

وكشفت تقارير إعلامية أن هذه التدابير المتخذة تأتي في سياق إعادة هيكلة داخلية عميقة تعيشها البعثة الأممية منذ سنة 2025 تحت ضغط من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مبرزة أن هذه التغييرات أسفرت عن مغادرة العديد من كبار المسؤولين وسحب مروحية مخصصة لمراقبة وقف إطلاق النار، إلى جانب إغلاق ثلاثة مواقع للمراقبة يقع اثنان منها شرق الجدار الرملي الذي شيدته القوات المسلحة الملكية.

وأطلق مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة خلال شهر أبريل مراجعة إستراتيجية لولاية المينورسو، وهو مسار من المتوقع أن يختتم في شهر أكتوبر المقبل، حيث تدعم كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمغرب تسريع هذه العملية التقييمية إلى جانب فرنسا التي تؤيد بدورها هذا التوجه.

وشكل هذا الملف محورا أساسيا في جدول أعمال اللقاء الذي انعقد يوم الخميس الثامن والعشرين من شهر ماي، والذي جمع بين مسعد بولس المستشار الخاص للرئيس دونالد ترامب للشؤون الأفريقية والعربية، وأوماريك رويان مدير إدارة شمال أفريقيا والشرق الأوسط بوزارة الخارجية الفرنسية.

وسجلت المعطيات ذاتها التوجه نحو إشراك المملكة المتحدة في المناقشات المتعلقة بهذا المشروع، الذي يرتقب أن يتم عرضه على أنظار أعضاء مجلس الأمن للمصادقة عليه في شهر أكتوبر القادم، علما أن مقاربة مماثلة جرى اعتمادها قبل المصادقة على القرار رقم 2797 في الحادي والثلاثين من شهر أكتوبر لسنة 2025.

وفي تعليقه على هذا الموضوع، قال المتخصص في الشأن الصحراوي، عبد الوهاب الكاين أن بدء تفكيك البنية التحتية اللوجستية لبعثة المينورسو بمدينة العيون في جنوب المملكة المغربية، وفي مقدمتها قرار إغلاق المرفق الطبي الأممي بالمدينة، يمثل شروعا عمليا في مسار التفكيك العملياتي الذي تقوده الأمم المتحدة، مبرزا أن هذا الإجراء يعد تقليصا إجرائيا لولاية البعثة وتكييفا لها مع مقتضيات قرار مجلس الأمن رقم 2797 القاضي بجعل مقترح الحكم الذاتي إطارا مرجعيا لحل ما وصفه بـ “النزاع المفتعل”، وذلك في سعي واضح لتحويل الكيان الأممي ليصبح ملائما للسياق الدولي الجديد.

وأوضح المصدر ذاته في تصريح لجريدة “العمق” أن هذا الانحسار الذي شمل سحب آليات المراقبة الجوية وإغلاق نقاط الرصد الاستراتيجية شرق الجدار الرملي، يتجاوز كونه مجرد تدبير إداري ليصبح مخططا ميدانيا يتوخى تقليص القدرة على الرصد المباشر في المناطق ذات الحساسية الأمنية العالية، لافتا إلى أن هذا المعطى يؤشر على تحول جذري في طرائق التدخل الأممي وانتقاله من حفظ السلم إلى تصفية النزاع في ظل التحول الحاصل في طبيعة البعثة وفق القرارات الأممية.

واعتبر المتحدث أن هذه الإجراءات مجتمعة تكتسي صبغة الاستباق المعياري لمخرجات المراجعة الاستراتيجية التي نص عليها القرار الأممي رقم 2797، حيث يتم عبرها صناعة حقائق مادية على الأرض لا يمكن الرجوع عنها قبل حلول استحقاق شهر أكتوبر من سنة 2026، مضيفا أن تلازم التقليص العملياتي مع المطالبة الأممية بتقديم توصيات بشأن تحويل أو إنهاء ولاية البعثة، يضع المنظومة الدولية أمام أمر واقع يتمثل في استحالة استعادة القدرات المفككة، لينتقل مجلس الأمن من نموذج الجمود المستدام إلى استراتيجية التقليص اللوجستي لأدوات التجميد السياسي التي دامت لأكثر من ثلاثة عقود.

وأشار الكاين إلى أن ملامح هذا التحول تبرز بوضوح في التناغم الجيوسياسي بين المملكة المغربية والقوى الكبرى المتمثلة في الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة، مبينا أن هذا الزخم بات يفرض هيمنة فكرة القابلية للتطبيق المستندة حصرا إلى مقترح الحكم الذاتي، ومؤكدا أن المشاورات الدبلوماسية رفيعة المستوى تعكس إرادة صلبة للأعضاء دائمي العضوية لإعادة تعريف دور الأمم المتحدة، وتحويل الملف من مأزق قانوني حول التقرير الكلاسيكي للمصير إلى مسار تقني للدمج المؤسساتي، مما يضع الأطراف الأخرى في حالة من الانكشاف الدبلوماسي جراء تآكل الرصيد المعياري والوجودي لبعثة لم يعد لها صدى في السياقات الدولية الراهنة.

وأكد المصدر أن هذه التحركات تمهد لسيناريو الخروج المتدرج أو تحويل المينورسو إلى بعثة تيسير سياسي لملاءمة حقيقة حتمية تطبيق المقترح المغربي لإنهاء النزاع، معلنا أن ذلك يعني بوضوح إعلان وفاة مهمة الاستفتاء التي تأسست عام 1991، ومشيرا إلى أن جلسات الاستفحاص المغلقة لمجلس الأمن التي تعتمد على تقارير ميدانية من تندوف والعيون ونواكشوط، لا تستهدف تقييم فاعلية البعثة في مهامها القديمة فقط، بل تيسير المواءمة مع الواقع الجديد عبر انسحاب منظم وتفكيك لبنى وفرت غطاء لما أسماه بـ “أطروحة الانفصال”، تمهيدا لتسوية مدعومة بإجماع دولي حازم.

وتابع الفاعل المدني تحليله بالتنصيص على أن إغلاق مستشفى المينورسو يمثل البرهان العملي على نهاية عهد دبلوماسي برمته، حيث استطاعت الدولة المغربية عبر تفعيل روافعها السيادية تحويل الوجود الأممي من عقبة أمام استكمال الوحدة الترابية إلى شريك أساسي في إغلاق الملف، مسجلا في المقابل أن جبهة البوليساريو والجزائر تجدان أنفسهما أمام تآكل متسارع لآخر معاقل الارتهان الدولي الميداني الذي كان يمنح أطروحتهما زخما معنويا، ليخلص إلى أن المسار السياسي دخل مرحلة الحسم الجغرافي والقانوني النهائي، حيث لم يعد السؤال متمحورا حول بقاء البعثة، بل حول كيفية وتاريخ إعلان مجلس الأمن انتهاء صلاحيتها القانونية.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا