دقّ مختصون في الشؤون القانونية والأسرية ناقوس خطر حقيقي بشأن واقعة “تحريض طفل قاصر على استهلاك مواد مسكرة”، والتي تشكل موضوع أبحاث قضائية جارية، معتبرين أن هذه الواقعة تضع المجتمع والمشرّع أمام “مسؤولية مباشرة”؛ بالنظر إلى ما تحمله هذه الأفعال من خطورة إجرامية صريحة يُعاقب عليها القانون، وأبعاد مدمرة تمس بسلامة الطفولة المغربية.
وسجل هؤلاء المختصون، ممن تحدثت إليهم هسبريس، أنه لمواجهة هذه الظواهر من جذورها بات من الضروري “صياغة مقاربة تربوية وإعلامية شاملة تدعو إلى مراجعة الفلسفة التعليمية بالمغرب، من خلال “تقوية إدماج أبعاد التربية الأسرية والقانونية، وتجديد قيم التنشئة الاجتماعية داخل المقررات الدراسية الحالية التي أصبحت عاجزة عن مواكبة التحولات”.
ونادى مهتمون بالموضوع بـ”تحقيق مطلب الوعي القانوني بالحقوق والواجبات لدى الناشئة يتطلب نقل الثقافة القانونية من ردهات المحاكم إلى الفضاءات المدرسية لتصبح سلوكا يوميا ومادة حية تُدرّس للطفل؛ مما يمنحه آليات التمييز والتبليغ عن أي استغلال أو عنف قد يتعرض له، ويضمن بناء جيل مغربي واعٍ ومحصن تشريعيا وأخلاقيا”.
شعيب لمسهل، محامٍ ورئيس المركز المغربي للوعي القانوني، شدد على أن “هذه الواقعة لا يمكن بأي حال من الأحوال التعامل معها كحالة معزولة أو انتزاعها من سياقها العام: إننا أمام مؤشر واقعي وبداية لتدني مفهوم الأسرة، وتراجع دور “الأسرة الحاضنة” في المجتمع.
واستحضر لمسهل، في حديثه لهسبريس، أنه “في ظل ما يُعرف بـ”الأسرة النووية” التي تكتفي بالإنجاب دون أدنى اكتراث بمصير الطفل، أو السعي إلى حمايته من الاستغلال والتنشئة السيئة. وتتحمل المسؤولية في هذا الصدد منظومة متكاملة تتداخل فيها أدوار الأب والأم، والمجتمع، والمجتمع المدني، والإعلام، والمدرسة؛ وهي العوامل المجتمعة التي أدت إلى بروز مثل هذه الحالات المقلقة”.
وأمام هذا الوضع، بات لزاما على المجتمع المدني، حسب المصرح، أن “يضطلع بأدواره كاملة. كما أن الدولة المغربية مدعوة اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى إعادة النظر في فلسفتها ومناهجها الدراسية. كما أصبح من الضروري تقوية وإدماج أبعاد التربية الأسرية والقانونية داخل المقررات التعليمية”.
وقال لمسهل، في تصريحه للجريدة: “للأسف الشديد، نشهد اليوم غيابا شبه تام للثقافة والوعي القانوني بالحقوق والواجبات، والتي يُفترض أن تكون مادة أساسية تُلقن في المناهج الدراسية”.
هذا التغييب، وفقه، أدى إلى “جهل مركّب لدى الأسر والأطفال معا بحقوقهم وواجباتهم، وبالمفاهيم القانونية التي تلعب دورا محوريا في حماية الطفل من الاستغلال أو العنف. وحتى مادة “التربية على المواطنة” بصيغتها الحالية، باتت تقدم قيما ومبادئ جامدة لا تعكس الواقع اليومي، ولا تواكب التجدد والتطور المجتمعي الحاصل”.
واعتبر رئيس المركز المغربي للوعي القانوني أن “الضرورة الملحة اليوم، تقتضي ألا يبقى الوعي القانوني حبيس ردهات المحاكم والنصوص التشريعية الجافة؛ بل يجب تحويله إلى ثقافة وسلوك يومي يتشربه الطفل بطرق ممنهجة. ويتأتى ذلك عبر الوسائل التعليمية المتنوعة، سواء كانت مرئية أو مسموعة أو مكتوبة أو من خلال حصص دراسية يومية تؤسس لوعي حقيقي خطورة هذه السلوكات الانحرافية وكيفية الوقاية منها.
الهدف الأساسي، وفق المتحدث للجريدة، هو “منع تطبيع الطفل مع هذه الممارسات حتى لا تتحول من إطار “التابو” والمحرم إلى سلوك مباح ومقبول مجتمعيا بسبب الصمت عنه؛ مثيرا بعضَ “التقصير الواضح لفعاليات المجتمع المدني في هذا المجال”.
وبعيدا عن المقاربات الزجرية والقوانين العقابية المتخذة في الحالات التي يتم ضبطها، يجب معالجة هذه الظواهر من جذورها، حسب الفاعل القانوني عينه الذي شدد على أنه: “ينبغي تمكين الطفل وتأهيله ليكون قادرا على إرسال رسائل واضحة تفيد بتعرضه للاستغلال أو السوء”، لافتا إلى أن “هذا هو الدور الحقيقي للمناهج التربوية، وللأخصائيين النفسيين والتربويين الذين يجب إدماجهم داخل المنظومة التعليمية لتوجيه الأطفال وحمايتهم”.
ترى خديجة اليملاحي، حقوقية رئيسة ملتقى الأسرة المغربية ورئيسة “الائتلاف المغربي للتعليم للجميع”، في حادث تحريض طفل قاصر على تناول مادة مسكرة أنه “يطرح بحدة مسؤولية الأسر والدولة أخلاقيا واجتماعيا وقانونيا وأدوارهم في حماية الطفولة من جميع أنواع التمييز والاستغلال تفعيلا، من جهة لمقتضيات الدستور وأحكام الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الأطفال المصادق عليها من لدن المغرب وعلى رأسها “اتفاقية حقوق الطفل”.
وذكرت اليملاحي، ضمن تصريحها لهسبريس، بـ”مبادئها الأساسية التي تنص على عدم التمييز والمصلحة الفضلى للطفل والبقاء واحترام آراء الطفل؛ فضلا عن الحق في الحماية من كل ما من شأنه أن يعرض صحتهم الجسدية والنفسية للخطر وكرامتهم، بالإضافة إلى الحق في الرعاية الأسرية”.
وزادت الناشطة الحقوقية: “تربية الأطفال وظيفة اجتماعية تتحمل مسؤوليتها الأسر والدولة”، مسجلة أنه “أمام هذا الحادث الذي يشكل انتهاكا صارخا لحقوق وكرامة طفل قاصر، نسائل الأدوار التربوية والقيمية والاجتماعية للأسر ودق ناقوس الخطر بسبب ما أصبحت تتعرض له القيم الأسرية المغربية الأصيلة من تراجع”.
وفي السياق ساءلت رئيسة جمعية ملتقى الأسرة المغربية “الدولةَ وجميع القطاعات الاجتماعية حول مدى تفعيل “السياسة العمومية المندمجة لحماية الطفولة”، مشددة على “ضرورة الإسراع بتغيير وإصلاح “مدونة الأسرة” لتوفير حماية شاملة للأطفال، وإعادة الاعتبار لدور التنشئة الاجتماعية والتربوية والقيمية للمؤسسات التعليمية من خلال إصلاح شامل للمناهج الدراسية بإعادة إدماج التربية الأسرية والتربية على القانون وتعزيز التربية على قيم المواطنة وحقوق الإنسان والتربية على أخلاقيات الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
وختمت خديجة اليملاحي بالقول: “الإسراع بتفعيل الهيئة الدستورية المتعلقة بالمجلس الاستشاري للأسرة والطفولة بات في حكم الضرورة المستعجلة”.
المصدر:
هسبريس