هبة بريس – عبد اللطيف بركة
ليس عيد الأضحى في المغرب مجرد مناسبة دينية عابرة، بل هو محطة روحانية متجددة، تتجلى فيها معاني الطاعة والتضحية والامتثال، اقتداء بسنة خليل الله إبراهيم عليه السلام.
مع بزوغ فجر العيد، تتجه الجموع إلى المصليات، حيث تتعالى تكبيرات العيد في مشهد إيماني مهيب، يملأ القلوب سكينة ويُشعر الجماعة بوحدة روحية نادرة.
في هذا اليوم، يحرص المغاربة على ارتداء أجمل الأزياء التقليدية، فتغدو الجلابة البيضاء عنواناً للنقاء، وتكتمل الصورة بابتسامات الأطفال التي تنثر الفرح في كل مكان، وكأنها تعلن بداية يوم مختلف بكل تفاصيله.
وبعد أداء صلاة العيد والاستماع إلى الخطبة، تبدأ واحدة من أبرز شعائر هذا اليوم: نحر الأضحية، في أجواء يسودها الخشوع والتكبير، يُقبل ربّ الأسرة على ذبح الأضحية وفق الضوابط الشرعية، مستحضراً رمزية الفداء والتقرب إلى الله.
إنها لحظة تختلط فيها الروحانية بالفعل، حيث يتحول الطقس إلى درس حي في البذل والعطاء، وتُستعاد فيه معاني التضامن من خلال تقاسم لحم الأضحية بين الأسرة والأقارب والمحتاجين.
تلي ذلك طقوس لا تقل أهمية، حيث تنفتح البيوت لاستقبال الزوار، وتُبعث الحياة في روابط صلة الرحم. تتقاطع الزيارات، وتُمد الموائد بأطباق تقليدية تعبق بروائح الذاكرة، فيتحول العيد إلى مناسبة جماعية تتجسد فيها قيم الكرم والضيافة المغربية الأصيلة.
وفي خضم هذه الأجواء، تتراجع الخلافات، وتعلو قيم التسامح والمصالحة، فيغتنم الجميع هذه المناسبة لإصلاح ذات البين، وتجديد أواصر المحبة. فالعيد ليس فقط احتفالاً، بل فرصة لبدء صفحة جديدة عنوانها الصفاء والتقارب.
هكذا ينسج المغاربة عيد الأضحى بين روحانية الشعيرة ودفء العائلة، في لوحة إنسانية تنبض بالإيمان والتكافل. عيدٌ لا يكتمل إلا بتلك اللحظات الصادقة، تكبيرات تُلامس السماء، وأضحية تُجسد معنى العطاء، ولمّة عائلية تُعيد للحياة دفئها ومعناها الحقيقي.
المصدر:
هبة بريس