في أول مواجهة بابوية مباشرة مع ثورة الذكاء الاصطناعي، أطلق البابا ليو الرابع عشر تحذيرا غير مسبوق من تحول التكنولوجيا الحديثة إلى “مشروع لا إنساني” يهدد الكرامة البشرية ويعيد تشكيل العالم بمنطق الهيمنة والربح والحروب، واضعا الذكاء الاصطناعي في قلب المعركة الأخلاقية والروحية للعصر الحديث.
وفي رسالته البابوية الكبرى المعنونة “ماغنيفيكا هيومانيتاس” (الإنسانية العظيمة)، شبّه بابا الفاتيكان مستقبل الذكاء الاصطناعي بقصة “برج بابل”، معتبرا أن البشرية تقف أمام مفترق مصيري: إما عالم تحكمه القوة والتجانس والهيمنة التقنية، أو حضارة جديدة تقوم على التضامن والعيش المشترك واحترام الإنسان.
ووصفت صحيفتا “وول ستريت جورنال” و”واشنطن بوست” الرسالة بأنها أخطر تدخل ديني عالمي حتى الآن في الجدل المتصاعد حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، خاصة مع تنامي نفوذ شركات التكنولوجيا العملاقة وتسارع سباق تطوير الخوارزميات والأنظمة الذكية.
وأكد البابا أن الخطر الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في القوى التي تتحكم بها وتمولها وتوجه استخدامها، محذرا من تحول الإنسان إلى “ترس داخل منظومة لا تبحث إلا عن الكفاءة والإنتاجية”. وقال إن الذكاء الاصطناعي “ليس محايدا”، لأنه يحمل قيم ومصالح الجهات التي تطوره.
ودعا البابا إلى “نزع سلاح الذكاء الاصطناعي”، مطالبا بأطر قانونية صارمة ورقابة مستقلة وتنظيم دولي يمنع احتكار البيانات والقدرات الرقمية من قبل شركات التكنولوجيا الكبرى، في ما اعتبره مراقبون مواجهة مباشرة مع وادي السيليكون.
كما حذر من أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يضعف قدرة البشر على التفكير والحكم الأخلاقي، عبر تقديم “إجابات فورية” تقتل الصبر والإبداع والبحث عن الحقيقة، فضلا عن خلق “تعاطف مزيف” يدفع الناس، خصوصا الشباب، إلى استبدال العلاقات الإنسانية الحقيقية بعلاقات مع الآلات.
وفي أكثر فقرات الرسالة حدة، تناول البابا استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب والأسلحة الذاتية التشغيل، مؤكدا أن التكنولوجيا تجعل الحروب “أسهل وأقل خضوعا للضمير الإنساني”، قبل أن يطلق عبارته الأكثر إثارة: “لا يمكن لأي خوارزمية أن تجعل الحرب عملا أخلاقيا”.
وتربط الرسالة بين ثورة الذكاء الاصطناعي الحالية والثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، مستلهمة رسالة البابا ليو الثالث عشر “ريروم نوفاروم” التي دافعت عن حقوق العمال في مواجهة الرأسمالية الصناعية، في محاولة لتأسيس ما وصفه مراقبون بـ”العقيدة الاجتماعية الرقمية” الجديدة للفاتيكان.
وبحسب تقرير لموقع “أكسيوس”، حدد البابا خمسة أخطار رئيسية للذكاء الاصطناعي: تآكل الحكم البشري، وتزييف العلاقات الإنسانية، وتعميق اللامساواة، وتهديد الديمقراطية، وتسهيل الحروب.
ويرى خبراء لاهوت وأخلاقيات أن هذه الرسالة قد تتحول إلى واحدة من أهم الوثائق الكاثوليكية الحديثة، لأنها تنقل قضية الذكاء الاصطناعي من نطاق التكنولوجيا والسياسة إلى مستوى “الواجب الديني والأخلاقي”، تماما كما فعل البابا فرنسيس سابقا مع قضية التغير المناخي.
المصدر:
العمق