آخر الأخبار

طارق يؤصل لمفهوم الوساطة كامتداد لمسار إصلاحي في تدبير التوتر بين المواطن والإدارة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

أصل وسيط المملكة حسن طارق لمفهوم الوساطة باعتباره مسارا إصلاحيا في تدبير التوترات والنزاعات بين المواطن والإدارة، مؤكدا أن هذا المفهوم لا يمكن فهمه خارج سياق تطور الدولة المغربية ومسار تحديث مؤسساتها المرتبطة بتدبير العلاقة بين الإدارة والمواطن.

جاء ذلك في محاضرة لوسيط المملكة حول الوساطة المؤسساتية والوساطة المرفقية، خلال لقاء تواصلي، الأسبوع الماضي برئاسة جامعة عبد المالك السعدي بطنجة حول موضوع: “هيئات الحكامة والجامعة المغربية: أي أدوار في ترسيخ الحكامة وتعزيز الثقة”.

وأوضح طارق أن التفكير في هذا المجال غالبا ما يحيل مباشرة إلى مؤسسة الوسيط أو إلى تجربة ديوان المظالم، غير أن المقاربة الأعمق، حسب تعبيره، تقتضي استحضار سياق تاريخي ومؤسساتي أطول وأكثر امتدادا، يعكس ما وصفه بـ”الدولة المغربية العميقة والممتدة في التاريخ”، التي راكمت عبر مراحل متعددة آليات لتدبير التظلمات وحماية حقوق المرتفقين.

وفي هذا السياق، توقف عند البعد التاريخي لوظيفة التظلم، مبرزا أن العديد من التجارب الدولية في بناء الدولة الحديثة كانت حريصة على إرساء وظائف شبيهة بديوان المظالم، باعتبارها آلية لتصحيح الاختلالات التي قد تنتج عن ممارسة السلطة الإدارية، وضمان قدر من التوازن في العلاقة بين الدولة والمواطنين.

واستحضر وسيط المملكة مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث جرى، سنة 1958، إحداث مكتب الأبحاث والإرشادات في عهد الملك الراحل محمد الخامس، باعتباره إحدى البدايات المؤسسية التي عكست إرادة مبكرة في تنظيم العلاقة بين الإدارة والمواطن وتوجيهها نحو مزيد من الإنصات والتتبع.

وانتقل طارق إلى محطتين أساسيتين في تطور هذه الوساطة المؤسساتية، أولهما سنة 2001، حين تم إحداث ديوان المظالم بمقتضى ظهير ملكي صادر في 9 دجنبر من السنة نفسها، في سياق اعتبره جزءا من جيل الإصلاحات المرتبطة بالتحديث المؤسسي وعقلنة الإدارة. أما المحطة الثانية، يقول حسن طارق، فهي سنة 2011، التي شهدت صدور ظهير شريف أعاد هيكلة المؤسسة تحت اسم “مؤسسة الوسيط”.

وأوضح المتحدث أن هذه التحولات لم تكن معزولة، بل جاءت في سياق إصلاحي أوسع، تبلور بشكل خاص خلال نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، حيث برز توجه واضح نحو إعادة تعريف وظيفة الإدارة، وجعلها إدارة مواطنة في خدمة التنمية، بدل الاقتصار على بعدها السلطوي التقليدي، وهو ما استدعى تطوير آليات جديدة لتدبير النزاعات بين المواطنين والإدارة.

واستحضر في هذا الإطار بعض المراجع السياسية والفكرية لذلك التوجه الإصلاحي، من بينها الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش سنة 2000، الذي أكد على منطق التحديث المؤسسي وضرورة تجديد النخب والمؤسسات بما يواكب متطلبات كل مرحلة.

وفي ما يتعلق بمحطة 2011، اعتبر طارق أنها شكلت منعطفا دستوريا ومؤسساتيا مهما، ليس فقط على مستوى إعادة تنظيم السلط، بل أيضا من خلال إرساء هندسة جديدة للحكامة، عبر دسترة مؤسسات وطنية مستقلة، من بينها المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومؤسسة الوسيط، باعتبارهما فاعلين مركزيين في منظومة حماية الحقوق وتعزيز الحوار المؤسساتي.

وأضاف أن الدستور قسم هيئات الحكامة إلى فئات متعددة، من ضمنها الهيئات المكلفة بحماية حقوق الإنسان، التي يتصدرها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إلى جانب مؤسسة الوسيط التي تتخصص، وفق التوصيف الدستوري، في تدبير العلاقة بين المواطنين والإدارة، خصوصا في ما يتعلق بالشكايات والتظلمات.

وأشار طارق إلى أن مؤسسة الوسيط تضطلع بمهمة مزدوجة، تتعلق من جهة بحماية حقوق الإنسان في علاقة المرتفق بالإدارة، ومن جهة ثانية بتدبير التوترات والنزاعات الناتجة عن الممارسة اليومية للسلطة الإدارية، موضحا أن هذا الدور يجعلها فاعلا وسيطا بين المواطن والإدارة، وليس مجرد جهاز إداري لتلقي الشكايات.

وأكد أن خصوصية هذه المؤسسة تكمن في كونها لا تكتفي بمراقبة مشروعية القرارات الإدارية فقط، بل تتجاوز ذلك إلى تقييمها في ضوء مبادئ العدل والإنصاف، وهو ما يمنحها بعدا إضافيا يتجاوز الإطار القانوني الصرف نحو منطق أوسع مرتبط بالعدالة الإدارية.

وأوضح في هذا السياق أن معيار الإنصاف يمثل عنصرا مركزيا في عمل المؤسسة، لأنه يسمح، في بعض الحالات، بتصحيح آثار تطبيق سليم للنص القانوني قد يؤدي مع ذلك إلى نتائج غير عادلة، أو إلى صرامة مفرطة في التنفيذ لا تراعي خصوصيات الحالات الفردية.

وأضاف أن هذا البعد الإنصافي قد يتيح كذلك تدارك بعض الثغرات التشريعية، أو إعادة تكييف القواعد العامة مع الحالات الخاصة والاستثنائية، بما يضمن قدرا أكبر من التوازن بين احترام القانون وتحقيق العدالة في بعدها العملي.

وتابع طارق أن هذه الوظيفة تجعل من مؤسسة الوسيط فاعلا إصلاحيا داخل منظومة الحكامة، يساهم في تحسين علاقة المواطن بالإدارة، وتخفيف التوترات اليومية الناتجة عن تطبيق السياسات العمومية، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويكرس منطق الإنصاف كأحد مرتكزات التدبير العمومي.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا