تفتح “فاجعة فاس” من جديد ملف بؤر المباني غير المرخصة بمدن مغربية عدة، بعد تحولها إلى قنابل موقوتة تهدد حياة المواطنين. وتدعو فعاليات مدنية إلى “تحرك رسمي حقيقي”.
وأعلنت النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بفاس، الخميس، فتح بحث قضائي “معمق ودقيق” على خلفية انهيار عمارة سكنية بمنطقة عين النقبي بمقاطعة جنان الورد بمدينة فاس، في حادث خلّف 14 قتيلا و6 مصابين بإصابات متفاوتة الخطورة.
المهدي الليمينة، فاعل مدني، قال إن “مسألة التعمير تخضع في الأصل لإطار قانوني منبثق عن توجهات الدولة وتدابيرها، حيث تبذل السلطات المحلية والوكالات الحضرية المعنية بالتعمير مجهودات حثيثة من خلال إطلاق مجموعة من المبادرات والتدابير التي تهدف بالأساس إلى إبلاغ وتوعية الأسر القاطنة بهذه المباني بوضعيتها قبل وقوع أي كارثة”.
وأضاف الليمينة، في تصريح لهسبريس، أنه بالنظر إلى الظروف الاجتماعية الصعبة التي تعيشها هذه الأسر، يصعب عليها توفير منازل جديدة أو تغيير مسكنها الحالي، فلا تغادر رغم الخطر. ومما يزيد من تعقيد الوضع، أن هذه المنازل لا تشملها في الغالب برامج الاستفادة والدعم السكني.
وأمام هذا الوضع، وفق الفاعل المدني عينه، تجد السلطات المحلية والمنتخبة صعوبة بالغة في التدخل وإفراغ السكان؛ لكونها لا تملك الصلاحية أو البدائل القانونية والواقعية لإجلائهم، بسبب غياب مرافق أو سكن بديل يمكن أن يستفيد منه هؤلاء المواطنون، وهو ما يطرح علامات استفهام كبرى.
وقال: “هذه الوضعية تعيق عملية إدماج هذه الأسر، لا سيما وأن المنازل تحتاج بعد مدة من استغلالها إلى عمليات الترميم والإصلاح والصيانة المستمرة. وللأسف، فإن ثقافة تدبير وصيانة المنازل غائبة لدى المواطنين، خاصة في صفوف المكترين الذين يرمون بمسؤولية الصيانة على الملاك”.
وفي المقابل، أورد الليمينة أن الملاك يتذرعون بضعف وهزالة المداخيل الكرائية لرفض إجراء الصيانة، مما يهدد بانهيار المباني كما حدث مؤخرا بمدينة فاس. ومن هنا، تناقش المجالس المنتخبة إيجاد آليات مستعجلة للترميم والصيانة، خاصة في المدن العتيقة لحماية قاطنيها والحفاظ على موروثها التاريخي.
إدريس السدراوي، رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، قال إن فاجعة فاس تعيد إلى الواجهة ملف “البؤر الآيلة للسقوط والبنايات المشيدة خارج الضوابط القانونية بمختلف المدن المغربية”.
ومما يثير القلق أكثر، يضيف السدراوي في تصريح لهسبريس، هو تعدد وتكرار مثل هذه الحوادث خلال السنوات الأخيرة، سواء في فاس أو الدار البيضاء أو طنجة أو مدن أخرى، بما يؤكد أن الأمر لم يعد حالات معزولة، بل إشكالا بنيويا مرتبطا بضعف المراقبة، والهشاشة العمرانية، والتأخر في معالجة البنايات الخطرة، واستمرار بعض مظاهر البناء غير القانوني أو غير المطابق للمعايير التقنية.
وتابع: “من مقاربة حقوقية، فإن هذه البؤر تشكل تهديدا حقيقيا ومباشرا لحق المواطنات والمواطنين في الحياة والسلامة الجسدية والسكن اللائق، وهو ما يستوجب تحركا رسميا عاجلا وفعالا، قائما على الوقاية والاستباق وليس فقط التدخل بعد وقوع الكوارث”.
ودعا السدراوي إلى “إحداث بنك معلومات وطني رقمي خاص بالبنايات، يتضمن تاريخ تأسيسها، ووضعيتها القانونية، وحالتها التقنية والهندسية، ومستوى الخطورة المرتبطة بها، مع تحيين دوري للمعطيات، وإطلاق برنامج وطني عاجل لإحصاء البنايات الآيلة للسقوط والبؤر الخطرة بمختلف المدن والقرى، وتعزيز لجان المراقبة التقنية والهندسية وربط تدخلاتها بالشفافية والنجاعة، ثم تشديد العقوبات على كل المتورطين في البناء غير القانوني أو التستر على الخروقات العمرانية”.
المصدر:
هسبريس