بدأت كبرى شركات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة تطرح، بصورة متزايدة، سيناريوهات تتعلق بمستقبل العمل والوظائف في ظل التوسع السريع للأنظمة الذكية، وسط تحذيرات من موجات بطالة واسعة قد تدفع الحكومات إلى تبني نماذج اقتصادية غير مسبوقة، تقوم على تقديم دخل مالي دائم للمواطنين لتعويض فقدان الوظائف التقليدية.
صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية نقلت عن عدد من قادة قطاع التكنولوجيا، وفي مقدمتهم إيلون ماسك وسام ألتمان وداريو أمودي، رؤيتهم لمستقبل اقتصادي قد تصبح فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي والروبوتات قادرة على إنجاز جزء كبير من الأعمال التي يؤديها البشر اليوم، وهو ما قد يفرض إعادة صياغة العلاقة بين العمل والدولة والدخل.
إيلون ماسك، مالك شركتي “تسلا” و”إكس”، دعا صراحة إلى اعتماد ما وصفه بـ”الدخل المرتفع الشامل”، عبر تحويلات مالية تقدمها الحكومة الفيدرالية للأفراد بشكل دائم، باعتباره الحل الأكثر واقعية لمواجهة البطالة التي قد تنتج عن الذكاء الاصطناعي.
وكتب ماسك، في منشور على منصة “إكس”، أن “الذكاء الاصطناعي والروبوتات سيجعلان إنتاج السلع والخدمات وفيرًا بشكل غير مسبوق”، مضيفًا أن هذا النمو في الإنتاج “سيفوق الزيادة في المعروض النقدي، وبالتالي لن يؤدي بالضرورة إلى التضخم”.
تصريحات ماسك أثارت اهتمامًا واسعًا داخل الأوساط الاقتصادية الأمريكية، خصوصًا أنها صدرت عن رجل أعمال اشتهر بمواقفه المناهضة لتوسيع الإنفاق الحكومي، وكان قد دعا سابقًا إلى تقليص الميزانية الفيدرالية بشكل جذري، قبل أن يتحول اليوم إلى أحد أبرز المدافعين عن تدخل الدولة لحماية المجتمعات من آثار التحول الرقمي.
ولا يقتصر هذا التوجه على ماسك وحده، إذ يرى داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة “أنثروبيك”، أن البنية الاقتصادية الحالية قد تصبح غير قابلة للاستمرار مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، داعيًا إلى نقاش مجتمعي واسع حول مستقبل الاقتصاد وآليات توزيع الثروة.
أما سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ”أوبن إيه آي”، فقد تحدث في مناسبات عدة عن ضرورة ضمان استفادة المجتمع ككل من عوائد الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن أي مستقبل ناجح لهذه التكنولوجيا يجب أن يسمح “للجميع بالمشاركة في المكاسب”.
وفي أبريل الماضي، قدمت شركة “أوبن إيه آي” مقترحات سياسية دعت فيها إلى تبني سياسات اقتصادية وصناعية جديدة تشبه، من حيث الحجم والطموح، التحولات التي شهدتها الولايات المتحدة خلال الثورة الصناعية أو مرحلة “الصفقة الجديدة” في ثلاثينيات القرن الماضي، معتبرة أن الذكاء الاصطناعي قد يفرض إعادة بناء أجزاء واسعة من الاقتصاد العالمي.
هذه التصريحات تعكس تحولًا لافتًا داخل قطاع التكنولوجيا الأمريكي، الذي ظل لعقود من أكثر القطاعات رفضًا لتوسيع دور الدولة أو زيادة الضرائب أو دعم البرامج الاجتماعية، غير أن المخاوف المتزايدة من فقدان ملايين الوظائف دفعت بعض قادة الشركات التقنية إلى إعادة التفكير في شكل النظام الاقتصادي المقبل.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتسارع فيه قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي على أداء مهام كانت حكرًا على البشر، سواء في مجالات البرمجة أو الإدارة أو الإعلام أو التصميم أو الخدمات القانونية، بينما تتوسع شركات التكنولوجيا في تطوير روبوتات وأنظمة مؤتمتة تهدف إلى تقليص الاعتماد على العمالة البشرية.
شركة “أنثروبيك” نشرت مؤخرًا دراسة أشارت إلى أن قطاعات واسعة من سوق العمل، بما في ذلك الوظائف الإدارية والإبداعية والإعلامية، أصبحت معرضة بدرجات متفاوتة للاستبدال أو التحول الجذري بسبب الذكاء الاصطناعي.
كما أعلنت شركة “ميتا” عن برامج لتدريب آلاف الأمريكيين على وظائف تقنية جديدة مرتبطة بالبنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات، في محاولة للاستعداد للتحولات المقبلة في سوق العمل.
لكن فكرة “الدخل الشامل” ما تزال تثير انقسامًا واسعًا داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية الأمريكية، إذ يرى مؤيدوها أنها قد تصبح ضرورة حتمية إذا أدت الأتمتة إلى تراجع فرص العمل بشكل كبير، بينما يعتبرها منتقدوها مشروعًا مكلفًا وغير واقعي، قد يضاعف الأعباء المالية على الدولة.
الباحث الاقتصادي جيسي روثستين، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، قال لصحيفة “واشنطن بوست” إن تمويل برامج الدخل الشامل يتطلب زيادة ضخمة في الضرائب، خصوصًا على أصحاب الثروات الكبرى والشركات المستفيدة من الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن منح دخل سنوي بسيط لكل المواطنين الأمريكيين قد يكلّف الدولة تريليونات الدولارات.
وأضاف روثستين أن أي مشروع من هذا النوع لن يكون ممكنًا دون إعادة توزيع واسعة للثروة، متسائلًا عما إذا كان مليارديرات التكنولوجيا مستعدين فعلًا لتحمل الكلفة الضريبية التي يتطلبها هذا النموذج.
وتشير دراسات اقتصادية إلى أن تطبيق برنامج دخل شامل في الولايات المتحدة قد يتطلب مضاعفة الإيرادات الضريبية الفيدرالية تقريبًا، وهو ما يفسر استمرار الجدل السياسي حول جدوى الفكرة وإمكان تطبيقها عمليًا.
في المقابل، يرى بعض المدافعين عن “الدخل الأساسي الشامل” أن مواقف قادة التكنولوجيا قد تعكس إدراكًا متزايدًا لحجم التغيرات التي سيحدثها الذكاء الاصطناعي في سوق العمل خلال السنوات المقبلة، حتى وإن شكك آخرون في نوايا هذه الشركات أو في استعدادها الحقيقي لدعم سياسات إعادة التوزيع.
سكوت سانتنس، أحد أبرز المدافعين عن فكرة الدخل الشامل في الولايات المتحدة، اعتبر أن حديث بعض رجال التكنولوجيا عن تقديم دخل دائم للمواطنين قد يكون أيضًا جزءًا من محاولة تهدئة المخاوف الاجتماعية المرتبطة بفقدان الوظائف، مضيفًا أن “الناس لن يصدقوا جدية هذه الطروحات ما لم تبدأ الشركات نفسها في تمويل هذه المبادرات أو الضغط سياسيًا من أجلها”.
في المقابل، يرفض تيار محافظ داخل الولايات المتحدة هذه التصورات، معتبرًا أن الحديث عن اختفاء الوظائف يعكس “نظرة تشاؤمية” لا تأخذ في الاعتبار قدرة الاقتصاد على خلق مهن جديدة، كما حدث خلال التحولات الصناعية السابقة.
ويرى معارضو فكرة “الدخل الشامل” أن الحل لا يكمن في توسيع برامج الدعم المالي، بل في الاستثمار في التدريب وإعادة التأهيل المهني، حتى يتمكن العمال من التكيف مع الوظائف الجديدة التي ستنتج عن الثورة الرقمية.
المصدر:
هسبريس