كشف تقرير تحليلي معمق نشره مركز ستيمسون للأبحاث، الاثنين، عن معطيات تفسر حالة الشلل التي تضرب اتحاد المغرب العربي منذ ثلاثة عقود، مبرزا أن المنظمة لم تتعثر بسبب الخلافات السياسية فحسب، بل انهارت تماما لغياب آليات مؤسساتية قادرة على امتصاص الصدمات. وأشار التقرير إلى مرور ثلاثين عاما على آخر قمة للاتحاد، وهي المدة التي أبقت فيها الجزائر حدودها مغلقة مع المغرب، رغم المشترك التاريخي والجغرافي والاجتماعي، مما يطرح تساؤلات حول سبل كسر الجمود، وهو تساؤل اعتبره التقرير خاطئا ويساهم في استمرار الركود، في ظل توجه الرباط نحو بدائل استراتيجية ناجعة لتجاوز هذا التعثر الإقليمي.
وأوضح المقال الذي أعده المركز الأمريكي أن الاندماج المغاربي يعاني من فشل أعمق بكثير من مجرد طريق مسدود سياسيا، حيث تعود أسباب هذا الفشل وفقا للمصدر إلى كون مؤسسات الاتحاد لم تصمم في الأصل للعمل عندما تتخذ السياسة طابعا عدائيا. وأبرزت الوثيقة أن المصالحة، حتى لو تحققت، فلن تصلح ما هو مكسور من الناحية الهيكلية، لأن الاتحاد لم يتأثر بغياب اختراق سياسي بقدر ما تأثر بغياب ممتصات الصدمات المؤسساتية التي لم يتم تزويده بها على الإطلاق منذ تأسيسه.
وسجل المصدر ذاته ضرورة التمييز بين مفهومي التوقف والانهيار، مبينا أن التوقف يفترض إمكانية التراجع وإعادة التشغيل، في حين أن الانهيار يعني فقدان النظام لأسس العمل بشكل كلي. واعتبر الخبير معد التقرير أن هذا الخلط يفسر قضاء ثلاثين عاما في تطبيق العلاج الخاطئ، ففي أوائل التسعينيات لم يتراجع الاتحاد إلى مستوى نشاط منخفض بل توقف كليا عن عقد القمم والتنسيق الوزاري وعمل اللجان، لتظل التجارة البينية عالقة في مستويات متدنية بين اثنين وخمسة بالمائة، مما جعل المنطقة ضمن قائمة المناطق الأقل اندماجا على الصعيد العالمي.
وأضاف التقرير في سياق مقاربته الهيكلية أن التفسير التقليدي الذي يربط الفشل بغياب الإرادة السياسية أو بالتنافس الإقليمي أو بملف الصحراء يظل تفسيرا قاصرا، لأنه يبرر أسباب صعوبة التعاون لكنه لا يفسر سبب فشل جميع القنوات في وقت واحد. وتابع المصدر أن هذا الطرح لا يشرح غياب أي مسار فني استمر بشكل تلقائي، أو سبب عجز جهود دبلوماسية دامت ثلاثين عاما عن تحقيق تهدئة تتراكم لتصبح بنية مؤسساتية حقيقية وفعالة.
وأكد التحليل بناء على مقارنة مع رابطة دول جنوب شرق آسيا آسيان، على أهمية الاستمرارية المؤسساتية تحت الضغط، حيث تعمل أمانة هذه الرابطة بتفويض وميزانية محددين في ميثاقها مع عقد اجتماعات ضمن جدول زمني دائم. وأردف المركز أن هذه الميزات تضمن بقاء العملية المؤسساتية حتى عند حدوث شلل سياسي، وهي أسس بني اتحاد المغرب العربي بدونها تماما، فبموجب المادة الحادية عشرة من معاهدة مراكش يتم تحديد موقع الأمانة العامة وتفويضها من قبل مجلس الرئاسة بدلا من تثبيتها بوضوح في نصوص المعاهدة.
وتابع التقرير أن عملية صنع القرار داخل الاتحاد تعتمد على الإجماع على مستوى رؤساء الدول، وهو ما يسمح لقطيعة ثنائية واحدة بعرقلة جميع المخرجات المؤسساتية بشكل تام. وتمتد هذه المنطقية عبر المعاهدة بأكملها، حيث تنص المادة السابعة على أن اجتماعات رؤساء الوزراء تنعقد عند الاقتضاء، مما يجعل حتى المستوى الثاني من الحكامة اختياريا وتقديريا بدلا من أن يكون إلزاميا وتلقائيا يضمن استمرارية العمل.
وبين المقال أن رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي اتخذت خيارات مماثلة في ميثاقها سنة 1985، حيث تشترط المادة العاشرة الإجماع لاتخاذ القرارات لاستبعاد القضايا الثنائية والخلافية، مما يمنع المؤسسة من معالجة أسئلتها الحساسة سياسيا. وينتج اتحاد المغرب العربي نفس القيد الهيكلي بلغة مختلفة، فكما لم تعقد المنظمة الآسيوية قمة منذ سنة 2014، اجتمع الاتحاد المغاربي لآخر مرة سنة 1994، ليمثل التنظيمان نفس المنطق المؤسساتي والنتيجة ذاتها.
وأبرز المصدر أن توقيع معاهدة مراكش سنة 1989 منح أطرافها إطارا يظهر طموحا إقليميا دون خلق التزامات ملزمة، حيث أن وجود أمانة عامة مستقلة كان سيولد زخما مؤسساتيا لم تكن الحكومات مستعدة له. ولفت التقرير إلى أن اللجان الدائمة كانت ستواصل عملها عند توتر العلاقات مما يجبر العواصم على احترام مخرجاتها، وهو ما كان سيجعل التكلفة السياسية لتدهور العلاقات مرئية بطرق فضلت الدول تجنبها لتفادي الإحراج الدبلوماسي.
واعتبر المركز الأمريكي أن ما يبدو من الخارج فشلا هو في الواقع الطريقة التي صمم بها النظام ليعمل، حيث صمم الاتحاد ليتم تشغيله وإيقافه بشكل إرادي. وفي ظل هذا المعطى، بادر المغرب ببراغماتية إلى تعزيز امتداده الإقليمي وتجاوز الشلل عبر التقدم بطلب لعضوية المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا سنة 2017، وهو توجه يؤكد بوضوح أين تكمن الأولويات الاستراتيجية الناجعة للرباط، في حين انضمت تونس رسميا إلى السوق المشتركة للشرق والجنوب الإفريقي في نفس السنة بحثا عن بدائل اقتصادية.
وأشار المصدر إلى أن هذه الخطوات تعكس وعي الرباط المبكر بأن البنية الإقليمية المغاربية كانت بديلا ضعيفا متعمدا، وهو نفس المنطق الذي أطر التحول الاستراتيجي للمغرب بتوقيع اتفاق استئناف العلاقات مع إسرائيل سنة 2020 لتعزيز مصالحه العليا دون ارتهان لتشاور إقليمي منعدم. وفي المقابل، أعلنت الجزائر عبر وزير خارجيتها أحمد عطاف أن الاتحاد في غيبوبة ولا يمتلك أمينا عاما بصلاحيات حقيقية، لتبادر العاصمة الجزائرية في ربيع سنة 2024 بجمع تونس وليبيا في تجمع ثلاثي جديد، وهو تحرك وصفه التقرير بأنه أداة لاحتواء النفوذ الإقليمي المتنامي للمغرب، بعدما قررت الجزائر استبدال المؤسسة بإطار يقصي الرباط بشكل صريح.
وأردف التقرير مسلطا الضوء على الرؤية القاصرة للأطراف الخارجية التي افترضت أن المصالحة السياسية هي العقبة الرئيسية للنهوض بالمنطقة المغاربية. واعتبر الكاتب أن المصالحة قد تكون ضرورية لكنها غير كافية، حيث يغيب الحافز لبناء آليات مؤسساتية تم استبعادها عمدا سنة 1989، وتحديدا لأن تلك الآليات من شأنها أن تقيد المرونة الاستراتيجية التي تستفيد منها الدول حاليا في إدارة تحالفاتها المنفردة.
ولفت التحليل الانتباه إلى أن الشراكات الدولية أثبتت أن الرباط لن تنتظر سراب الاتحاد المغاربي، وهو ما تجسد في توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمغرب سنة 2004 واتفاقية أكادير في نفس السنة والتي استبعدت الجزائر. واتبع الاتحاد الأوروبي نفس المنطق بمنح المغرب الوضع المتقدم سنة 2008 تقديرا لمساره المتميز ودون أي شروط إقليمية، بينما تظهر اتفاقية الشراكة التونسية مدى سرعة تحطم الركائز الثنائية عند غياب الثقل الإقليمي واختلال التوازن.
وخلص التقرير الصادر عن مؤسسة ستيمسون إلى أن الخيارات العقلانية للرباط على المستوى الثنائي أنتجت بنية إقليمية تحل فيها الشراكات الخارجية محل اندماج مغاربي معطل هيكليا. وشدد المصدر على أن أي تقارب جزائري مغربي لن يحل المشكل لأن الخلل يكمن في إطار مؤسساتي غائب منذ معاهدة مراكش، مما يجعل الآثار العملية تتطلب تشخيصا دقيقا يقر بأن الوضع المغاربي حالة هيكلية جامدة، وليس مشروعا متعثرا يمكن إحياؤه دون أسس متينة.
المصدر:
العمق