آخر الأخبار

حين تتحول “الليبرالية” إلى غطاء للاحتكار… لماذا يدافع نزار بركة عن المواطن لا عن لوبيات السوق؟

شارك

بقلم أيوب مشموم

في الوقت الذي يختبئ فيه البعض خلف شعارات “الاقتصاد الحر” لتبرير فوضى الأسعار واستباحة القدرة الشرائية للمغاربة، يواصل نزار بركة طرح سؤال جوهري يتهرب منه كثيرون: هل وُجد الاقتصاد لخدمة المواطن، أم لتحويل السوق إلى مجال مغلق تتحكم فيه قلة من الفاعلين؟
الجدل الذي أثير عقب دعوة حزب الاستقلال إلى التفكير في آليات وطنية لتنظيم التوزيع ومحاصرة المضاربة، كشف مرة أخرى حجم الخلط المقصود بين “حرية السوق” و”حرية الاحتكار”. فبمجرد الحديث عن تدخل الدولة لحماية التوازنات الاجتماعية، ارتفعت أصوات تعتبر أي دور تنظيمي للمؤسسات العمومية عودة إلى “السياسات القديمة”، وكأن المطلوب من الدولة أن تكتفي بدور المتفرج أمام تمدد المضاربات والوساطات والاتفاقات غير المعلنة.
لكن الحقيقة التي يدركها المغاربة يوميًا، هي أن السوق المغربي لا يعيش منافسة حرة بالمعنى الحقيقي، بل يعيش في كثير من الأحيان نوعًا من التمركز الاقتصادي الذي يجعل بعض القطاعات رهينة لعدد محدود من المتدخلين، يحددون الأسعار وهوامش الربح ومسارات التوزيع بشكل يجعل المواطن الحلقة الأضعف دائمًا.
ما يطرحه نزار بركة ليس دعوة إلى إلغاء اقتصاد السوق، ولا محاولة لإحياء نماذج متجاوزة، بل هو دفاع عن مفهوم بسيط وواضح: لا يمكن للسوق أن يكون ناجحًا عندما يغيب التوازن بين حرية الاستثمار وحماية المجتمع. فالدولة في كل التجارب الاقتصادية الكبرى، من أوروبا إلى آسيا، لم تكن يومًا مجرد مراقب سلبي، بل لعبت أدوارًا استراتيجية في تأمين المواد الأساسية، وضبط المنافسة، ومنع التلاعب بالأسعار والاحتكار المقنع.
المفارقة الكبرى أن الذين يهاجمون أي فكرة لتنظيم قنوات التوزيع باسم الليبرالية، لا يجدون أي حرج في الدفاع عن امتيازات اقتصادية ضخمة، أو عن قطاعات مغلقة تسيطر عليها شبكات محدودة تستفيد من القرب والنفوذ والصفقات العمومية والدعم غير المباشر. هنا تصبح “حرية السوق” مجرد شعار جميل يخفي واقعًا آخر: اقتصادًا تتحكم فيه التوازنات السياسية والمالية أكثر مما تتحكم فيه قواعد المنافسة الشريفة.
لقد أثبتت الأزمات المتتالية، من ارتفاع أسعار المحروقات إلى التهاب أسعار المواد الغذائية، أن المواطن المغربي يدفع ثمن غياب سلاسل توزيع عادلة وشفافة. فبين المنتج والمستهلك تنمو طبقات من الوسطاء والمضاربين الذين يراكمون الأرباح دون أي قيمة مضافة حقيقية، بينما تتحول القدرة الشرائية إلى ضحية يومية لمنطق “دعه يمر، دعه يربح”.
ومن هنا تأتي أهمية الطرح الاستقلالي، الذي يحاول إعادة النقاش إلى جوهره الحقيقي: كيف نبني اقتصادًا وطنيًا تنافسيًا، دون أن يتحول إلى غابة مالية يبتلع فيها القوي الضعيف؟ وكيف نضمن حرية المبادرة، دون أن تصبح الحرية غطاءً لاحتكار مقنع أو لتحالفات اقتصادية مغلقة؟
إن الدفاع عن المواطن ليس شعبوية، كما يحاول البعض تصويره، بل هو جوهر العمل السياسي الحقيقي. والسياسة الاقتصادية لا تُقاس فقط بنسب النمو والأرقام التقنية، بل أيضًا بقدرتها على حماية الطبقة المتوسطة والفئات الهشة وضمان حد أدنى من العدالة داخل السوق.
نزار بركة وحزب الاستقلال يقدمان اليوم تصورًا يقوم على فكرة التوازن: اقتصاد حر نعم، لكن باحتكام حقيقي للمنافسة؛ استثمار قوي نعم، لكن دون افتراس القدرة الشرائية؛ دعم للمقاولة نعم، لكن مع ربط المسؤولية بالمحاسبة ومنع الاحتكار والمضاربة.
أما الاستمرار في ترديد شعارات الليبرالية دون الاعتراف باختلالات الواقع، فلن يؤدي إلا إلى تعميق فقدان الثقة بين المواطن والسوق والسياسة معًا.
المغاربة اليوم لا ينتظرون خطابات نظرية حول “حرية الاقتصاد”، بل ينتظرون سوقًا عادلة، وأسعارًا منطقية، ودولة تمتلك الشجاعة لحماية التوازن الاجتماعي عندما يصبح المواطن أعزل أمام جشع المضاربين ولوبيات الاحتكار.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا