أثارت المراسلة التي وجهتها عمدة مدينة نبيلة الرميلي إلى رؤساء المقاطعات الست عشرة، بشأن تسوية الوضعية المالية المتعلقة بأداء فواتير الكهرباء لفائدة الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء سطات، حالة من الجدل الواسع داخل المجالس المنتخبة، وسط تخوفات من انعكاسات هذه الديون على ميزانيات المقاطعات وبرامجها التنموية خلال المرحلة المقبلة.
وأفادت مصادر عليمة لجريدة “العمق المغربي” أن هذه المراسلة خلفت ارتباكا واضحا داخل عدد من المقاطعات، خصوصا خلال اجتماعات لجان المالية والشؤون الاقتصادية التي انعقدت في إطار التحضير لدورات يونيو العادية، حيث وجد المنتخبون أنفسهم أمام أرقام ثقيلة وغير متوقعة تتعلق بمتأخرات استهلاك الكهرباء.
وأكدت المصادر ذاتها أن عددا من رؤساء المقاطعات عبروا، خلال الاجتماعات الداخلية، عن قلقهم من صعوبة تدبير هذه المستحقات المالية في ظل محدودية الموارد المالية المتاحة، وارتفاع الالتزامات المرتبطة بتسيير المرافق المحلية والإنارة العمومية وصيانة الفضاءات التابعة للمقاطعات.
وكشفت معطيات متطابقة أن حجم الديون الإجمالية المستحقة لفائدة الشركة الجهوية متعددة الخدمات بلغ حوالي 54 مليار سنتيم، وذلك عقب عملية افتحاص ومراجعة شاملة للحسابات باشرتها الشركة الجديدة مباشرة بعد تسلمها مهام تدبير خدمات الماء والكهرباء والتطهير السائل، خلفا لشركة ليدك.
وحسب المصادر نفسها، فإن عملية المراجعة المحاسبية التي قامت بها الشركة الجهوية كشفت عن تراكم متأخرات مالية تعود إلى سنوات سابقة، بعضها مرتبط بعدم أداء فواتير الاستهلاك، فيما يرتبط جزء آخر بفوارق محاسبية وإشكالات تقنية مرتبطة بعمليات التحويل بين النظامين القديم والجديد.
وأوضحت المعطيات المتوفرة أن الجماعة الأم لمدينة الدار البيضاء تتحمل النصيب الأكبر من هذه الديون، بما يقارب 30 مليار سنتيم، في حين تصل الديون المترتبة على المقاطعات الست عشرة إلى حوالي 15 مليار سنتيم، بينما يظل الجزء المتبقي مرتبطا بمبالغ أخرى لا تزال قيد التدقيق والتسوية.
وأضافت المصادر أن بعض المقاطعات فوجئت بمبالغ تتجاوز 900 مليون سنتيم، وهو ما خلق حالة من الصدمة داخل اللجان الدائمة، خاصة أن عددا من المنتخبين لم يكونوا على اطلاع مسبق بحجم الالتزامات المالية الحقيقية المرتبطة بقطاع الكهرباء والإنارة العمومية.
وفي هذا السياق، أشارت مصادر الجريدة إلى أن عددا من أعضاء المجالس طالبوا بفتح نقاش موسع حول أسباب تراكم هذه الديون، مع ضرورة تحديد المسؤوليات الإدارية والتدبيرية المرتبطة بها، خصوصا أن بعض المتأخرات تعود إلى مراحل سابقة من التسيير.
كما عبر منتخبون عن تخوفهم من أن تؤثر عملية تسوية هذه الديون بشكل مباشر على اعتمادات مخصصة لمشاريع القرب، من قبيل تهيئة الطرقات وصيانة الحدائق والملاعب وتأهيل البنيات التحتية المحلية، في حال تم اقتطاع مبالغ مهمة من ميزانيات المقاطعات لتغطية المستحقات العالقة.
وأكدت المصادر أن السلطات الولائية توصلت، خلال الأسابيع الأخيرة، بتقارير صادرة عن المصالح المركزية التابعة لوزارة الداخلية، تتضمن معطيات مقلقة حول ارتفاع حجم مديونية الجماعات الترابية تجاه عدد من المؤسسات العمومية، خاصة تلك المكلفة بتدبير قطاعات الماء والكهرباء والنظافة.
وأبرزت التقارير ذاتها أن عددا من الجماعات الترابية بالمملكة باتت تواجه صعوبات متزايدة في الحفاظ على توازنها المالي، نتيجة تضخم نفقات التسيير وارتفاع تكاليف الخدمات الأساسية، مقابل محدودية الموارد الذاتية وضعف المداخيل الجبائية في بعض المناطق.
وفي مقابل ذلك، ترى مصادر مطلعة أن انتقال تدبير هذه القطاعات إلى الشركات الجهوية متعددة الخدمات أتاح إمكانية القيام بعمليات تدقيق مالي أكثر صرامة، وهو ما ساهم في الكشف عن حجم المتأخرات الحقيقية التي كانت موضوع خلافات أو تسويات مؤجلة خلال السنوات الماضية.
وخلف هذا الملف نقاشا واسعا داخل الأوساط السياسية والمنتخبة بمدينة الدار البيضاء، حيث اعتبر متابعون أن الأزمة الحالية تعكس إشكالات أعمق ترتبط بحكامة التدبير المالي المحلي، وبكيفية تتبع استهلاك الطاقة داخل المرافق الجماعية، إضافة إلى غياب آليات ناجعة للمراقبة وترشيد النفقات.
وتتجه الأنظار حاليا إلى مخرجات دورات يونيو المقبلة، التي ينتظر أن تعرف نقاشات ساخنة حول سبل معالجة هذه الديون، وآليات توزيع أعبائها المالية، في وقت تسعى فيه المجالس المنتخبة إلى تفادي أي تأثير مباشر على الخدمات الأساسية المقدمة لساكنة العاصمة الاقتصادية.
المصدر:
العمق