اعتبر مسؤولون قضائيون أن العقوبات البديلة لم تعد مجرد خيار تشريعي أو “امتياز” يُمنح للمحكوم عليهم، بل أصبحت ضرورة قانونية وواقعية تفرضها التحولات التي تعرفها السياسة الجنائية الحديثة، في ظل تنامي الإشكالات المرتبطة بالعقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة، وعلى رأسها الاكتظاظ السجني وضعف فعالية الردع وإعادة الإدماج.
وأكد المتدخلون، خلال ندوة علمية احتضنها الدورة الـ31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط تحت شعار “القضاء في خدمة المواطن”، أن الردع لا يتحقق دائما عبر الزج بالمحكوم عليهم داخل المؤسسات السجنية، بقدر ما يرتبط بقدرة العقوبة على تحقيق التأهيل ومنع العود إلى الجريمة، مشددين على أن العقوبات البديلة تمثل توجها حديثا يروم التوفيق بين حماية المجتمع والحفاظ على الكرامة الإنسانية للمحكوم عليه.
كما اعتبروا أن قانون العقوبات البديلة والتخفيض التلقائي للعقوبة يشكلان تحولا عميقا في السياسة الجنائية والعقابية بالمغرب، من خلال الانتقال من منطق الزجر والسلب التلقائي للحرية إلى مقاربة تقوم على التأهيل وإعادة الإدماج والعدالة التصالحية، مع التشديد على أن نجاح هذا الورش التشريعي رهين بالتنسيق المؤسساتي، وتوفير البنيات التنفيذية، وترسيخ ثقافة مجتمعية تتقبل العقوبات البديلة باعتبارها آلية للإصلاح وليس إفلاتا من العقاب.
الإطار التشريعي والتحول في السياسة الجنائية
أكد مسؤولون قضائيون أن القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة يمثل تحولا في فلسفة العقاب بالمغرب، موضحين أن النظم العقابية التقليدية كانت تعتبر السجن هو العقوبة الطبيعية لكل جريمة، حتى البسيطة منها، وهو ما أدى عالميا إلى تفاقم ظاهرة الاكتظاظ السجني وما يترتب عنها من آثار اجتماعية واقتصادية وصحية، من قبيل تفكك الأسر وفقدان العمل وانتشار الأمراض وارتفاع نسب العود إلى الجريمة.
وأضافوا أن قانون العقوبات البديلة جاء ليقدم نموذجا مغايرا، يقوم على تخفيف الضغط على المؤسسات السجنية، وتحقيق العدالة التصالحية، وإشراك المحكوم عليهم في تعويض الضرر أو تقديم خدمات لفائدة المجتمع، مع اعتماد مقاربة إصلاحية تعتبر أن العقوبات المجتمعية أكثر نجاعة من العقوبات الحبسية القصيرة في إعادة الإدماج.
وأبرزوا أن المغرب لم يكن بمعزل عن الدينامية الدولية المرتبطة بالعقوبات البديلة، مذكّرين بالقواعد النموذجية للأمم المتحدة بشأن التدابير غير السالبة للحرية “قواعد طوكيو”، والتوصيات الأوروبية المتعلقة بالعقوبات المجتمعية، إضافة إلى توصيات اللجنة الأممية لمناهضة التعذيب التي تدعو إلى الحد من اللجوء إلى الاعتقال والحبس.
وسجلوا أن المغرب انخرط منذ سنوات في هذا المسار، سواء من خلال إصلاحات المسطرة الجنائية سنة 2002، أو عبر مقتضيات دستور 2011 التي كرست مبدأ شخصية العقوبة، مؤكدين أن القانون 43.22 وضع المملكة ضمن الدول الرائدة إقليميا وإفريقيا في مجال اعتماد منظومة متكاملة للعقوبات البديلة.
أنواع العقوبات البديلة ومسطرة تطبيقها
ذكر المتدخلون أن القانون حدد أربعة أنواع من العقوبات البديلة، تشمل العمل لأجل المنفعة العامة، والمراقبة الإلكترونية، وتقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير علاجية وتأهيلية، ثم الغرامة اليومية، مع التنصيص على مجموعة من الجرائم المستثناة، من بينها الجرائم الماسة بأمن الدولة، والإرهاب، والرشوة، والاختلاس، والاتجار الدولي في المخدرات، والاستغلال الجنسي للقاصرين.
وأشار المتدخلون إلى أن المشرع وضع مسطرة دقيقة للحكم بالعقوبات البديلة، تفرض على المحكمة تحديد العقوبة الحبسية الأصلية والعقوبة البديلة والالتزامات الناتجة عنها، مع إشعار المحكوم عليه بأن الإخلال بالتزاماته يؤدي إلى تنفيذ العقوبة الحبسية الأصلية، فضلا عن إمكانية إجراء بحث اجتماعي لتقدير مدى قابلية الشخص لإعادة الإدماج.
كما جرى استعراض اختصاصات قاضي تطبيق العقوبات، الذي يتولى إصدار المقررات التنفيذية، والبت في طلبات استبدال العقوبات الحبسية بعقوبات بديلة، وإصدار أوامر وقف التنفيذ لأسباب اجتماعية أو صحية، وتتبع تنفيذ العمل لأجل المنفعة العامة، وإصدار مقررات إنهاء العقوبات البديلة أو إلغائها في حالة الإخلال بالشروط.
وأكد مسؤولون قضائيون أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية واكب تنزيل القانون على مستويات متعددة، شملت إبداء الرأي في النصوص التشريعية والتنظيمية، والمشاركة في الاجتماعات التنسيقية الحكومية، وإعداد دلائل عملية ونماذج استئناسية للأحكام والمقررات، فضلا عن تنظيم دورات تكوينية لفائدة القضاة ومدراء المؤسسات السجنية، والاستفادة من التجارب المقارنة الفرنسية والبلجيكية والهولندية.
العقوبات البديلة في الممارسة القضائية
اعتبر المسؤولون القضائيون أن العقوبات البديلة أصبحت اليوم آلية جديدة بيد قضاة الحكم وقضاة تطبيق العقوبات، معربين عن الأمل في أن تساهم هذه المقتضيات في تكريس عدالة جنائية تقوم على الإصلاح والتأهيل بدل الزجر والإيلام، خاصة بعد مرور أشهر على دخول القانون حيز التنفيذ وتحقيقه لنتائج أولية وُصفت بالإيجابية.
وأكد مسؤولون قضائيون أن العقوبات البديلة جاءت استجابة لسياق وطني ودولي ضاغط، في ظل تفاقم نسب الاكتظاظ السجني، مشيرين إلى أن العديد من الدول أصبحت تعتمد تصنيفين للمحكوم عليهم: من يقضون العقوبة داخل السجون، ومن ينفذونها خارجها في إطار عقوبات بديلة.
وأوضحوا أن المغرب راكم منذ سنوات توصيات ومطالب تدعو إلى اعتماد العقوبات البديلة، سواء خلال المناظرة الوطنية حول السياسة الجنائية سنة 2004، أو عبر توصيات الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة، وخطب الملك المتعلقة بإصلاح العدالة، فضلا عن التزامات المملكة المرتبطة بأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.
وتوقف المتدخلون عند شروط الاستفادة من العقوبات البديلة، موضحين أنها تقتصر على الجنح التي لا تتجاوز العقوبة المحكوم بها خمس سنوات، مع استثناء الجنايات وحالات العود القانونية والجرائم المستثناة بنص القانون.
وشددوا على ضرورة التمييز بين “العود القانوني” ووجود سوابق قضائية أو سجن سابق، مبرزين أن حالة العود لا تقوم إلا بتوفر الشروط القانونية المنصوص عليها في المواد 156 و157 و158 من القانون الجنائي، وبإثبات النيابة العامة لذلك أمام المحكمة.
الجرائم المستثناة من العقوبات البديلة
كما تطرقوا إلى الإشكالات المرتبطة ببعض الجرائم المستثناة، خاصة الاتجار في المخدرات والمؤثرات العقلية، موضحين أن النقاش الفقهي والقضائي اتجه إلى التمييز بين المخدرات الطبيعية والمخدرات المصنعة أو “المؤثرات العقلية”، مع اعتبار الاتجار الدولي في المخدرات والاتجار في المواد المصنعة مستثنيين من العقوبات البديلة.
وأكدوا أن للنيابة العامة دورا محوريا في اقتراح العقوبات البديلة، معتبرا أن القاضي والنيابة العامة مطالبان بالتحلي بالجرأة في منح “آخر فرصة” لبعض الأشخاص الذين ارتكبوا أفعالا معزولة ولا يشكلون خطورة إجرامية كبيرة.
وقالوا إن الفلسفة الجديدة للعقوبات البديلة تمثل تحولا في الثقافة القضائية التقليدية، التي كانت تحصر خيارات القاضي بين الحبس النافذ أو الموقوف التنفيذ أو البراءة، بينما أصبح بإمكانه اليوم الحكم بالإدانة مع استبدال العقوبة السالبة للحرية بتدابير إصلاحية.
وأشاروا إلى أن قاضي تطبيق العقوبات أصبح يتوفر على صلاحية استبدال العقوبة الحبسية، بعد صيرورة الحكم نهائيا، بعقوبات بديلة، بناء على طلب المحكوم عليه أو النيابة العامة أو إدارة السجون، معتبرا أن هذا التطور أوجد “حظا جديدا” للمحكوم عليهم لم يكن قائما في السابق.
وسجل المتدخلون أن غياب مؤشرات قانونية دقيقة لتنظيم عملية الاستبدال دفع إلى اعتماد معايير مستمدة من دوريات العفو والإفراج المقيد، من قبيل الوضع الصحي، والوضعية العائلية، ومدى الانضباط داخل المؤسسة السجنية، والمشاركة في برامج إعادة الإدماج.
كما تطرقوا إلى الإشكالات القانونية المرتبطة بجهة البت في المنازعات المتعلقة بقرارات قاضي تطبيق العقوبات، موضحين أن محكمة النقض حسمت هذا الجدل باعتماد غرفة مشورة بالمحكمة الابتدائية كجهة مختصة للنظر في هذه المنازعات.
وكشفوا أن عدد المقررات القضائية المتعلقة بالعقوبات البديلة بلغ إلى حدود أبريل نحو 2600 مقرر، بينها 1075 غرامة يومية و1027 عقوبة عمل لأجل المنفعة العامة، فيما تعرف المراقبة الإلكترونية توسعا تدريجيا بعد توفير البنية التقنية والأساور الإلكترونية بمختلف سجون المملكة.
وأوضحوا أن تنفيذ العقوبات البديلة يتم بتنسيق بين قاضي تطبيق العقوبات، وإدارة السجون، والنيابة العامة، مع إمكانية إشراك جمعيات ذات نفع عام ومؤسسات عمومية في احتضان المحكوم عليهم وتنفيذ عقوبات العمل لأجل المنفعة العامة.
وأكدوا أن الشخص الذي ينفذ العقوبة البديلة بشكل سليم يستفيد من رد الاعتبار في آجال قصيرة، قد لا تتجاوز سنة أو سنة ونصف، بما يسمح له بالاندماج مجددا في الحياة المهنية والاجتماعية.
كما شرحوا كيفية اشتغال نظام المراقبة الإلكترونية، الذي يحدد للمحكوم عليه نطاقا زمنيا ومكانيا معينا، مع إخضاعه لتتبع إلكتروني دائم، موضحين أن خرق الالتزامات يترتب عنه تنفيذ العقوبة الحبسية الأصلية وإمكانية المتابعة من أجل جنحة إضافية تتعلق بالإخلال بالمراقبة الإلكترونية.
التخفيض التلقائي للعقوبة
وفي ما يتعلق بالتخفيض التلقائي للعقوبة، أوضحوا أن هذا النظام الجديد يسمح بتقليص مدة العقوبة لفائدة السجناء حسني السلوك، بمعدل خمسة أيام عن كل شهر بالنسبة للعقوبات التي لا تتجاوز سنة، أو شهر عن كل سنة بالنسبة للعقوبات الأطول.
وأضافوا أن اعتماد الأثر الفوري للمقتضيات الإجرائية المتعلقة بالتخفيض التلقائي للعقوبة مكن آلاف السجناء من الاستفادة منه مباشرة بعد دخول القانون حيز التنفيذ في دجنبر 2025، ما أدى إلى مغادرة مئات الأشخاص للمؤسسات السجنية.
وأكدوا أن الاستفادة من التخفيض التلقائي للعقوبة تبقى مرتبطة بحسن السلوك وعدم ارتكاب مخالفات تأديبية داخل السجن، مع خضوع العملية لمراقبة لجنة قضائية وإدارية مختلطة يرأسها قاضي تطبيق العقوبات وتضم ممثلين عن النيابة العامة وإدارة السجون.
وختم المسؤولون القضائيون بالتأكيد على أن نجاح مشروع العقوبات البديلة والتخفيض التلقائي للعقوبة يتطلب ترسيخ ثقافة مجتمعية جديدة تقوم على إعادة الإدماج والإصلاح، وتعزيز التنسيق المؤسساتي محليا ومركزيا، وتوسيع فضاءات تنفيذ العقوبات البديلة، معتبرين أن هذا الورش يمثل تحولا عميقا في السياسة العقابية الوطنية.
المصدر:
العمق