في تفاعل رسمي مع مراسلة وجهتها جريدة هسبريس الإلكترونية ، أكد ستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، تمسكه بنهج التكتم والسرية خلال المرحلة الراهنة من المسار السياسي المرتبط بملف الصحراء؛ في خطوة تعكس حساسية المشاورات الجارية ورهان الأمم المتحدة على توفير الظروف الملائمة لدفع العملية السياسية بعيدا عن الضغوط والتداول الإعلامي المباشر.
وأوضح كريستوفر ثورنتون، كبير المستشارين السياسيين، نيابة عن دي ميستورا، أن هذا الأخير يثمّن الاهتمام الإعلامي المتواصل بالعملية السياسية؛ غير أنه لن يكون بمقدوره في الظرف الراهن مناقشة تفاصيلها أو الاستجابة لطلب إجراء حوار، بالنظر إلى مقتضيات السرية والحياد التي تفرضها طبيعة المهمة الأممية، لتأمين فرص نجاح المسار السياسي.
ويحمل هذا الرد دلالات واضحة بشأن طبيعة المقاربة التي يعتمدها دي ميستورا في إدارة الملف، والقائمة على مواصلة الاتصالات والمشاورات في هدوء، إلى حين استكمال اللقاءات مع الأطراف المعنية والقوى الدولية الفاعلة. وتلجأ الأمم المتحدة غالبا إلى هذا الأسلوب في المراحل المتقدمة التي تتطلب بناء الثقة وتضييق هوة الخلافات.
وكانت مراسلة هسبريس قد شددت على أهمية إطلاع الرأي العام على الخطوط العريضة للمرحلة الحالية، وضرورة بناء نقاش عمومي مسؤول يستند إلى قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، مع الاستفسار عن مستوى التقدم المسجل نحو حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف.
ويبدو من خلال مضمون الرد أن دي ميستورا يراهن، في هذه المرحلة، على دبلوماسية الصمت والعمل الهادئ، مع تأجيل أي تواصل إعلامي موسع إلى ما بعد ظهور نتائج المساعي الجارية؛ وهو ما يمنح الانطباع بأن الملف يوجد في لحظة مفصلية قد تكون حاسمة أكثر من أي وقت مضى.
تعقيبا على الموضوع، قال رمضان مسعود العربي، عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية (الكوركاس)، إن تمسك ستافان دي ميستورا بنهج التكتم والسرية في هذه المرحلة بالذات يعكس وعيا أمميا بدقة الظرف السياسي وحساسية المشاورات الجارية، مشيرا إلى أن المبعوث الأممي اختار مقاربة واقعية تقوم على العمل الهادئ بعيدا عن الضجيج الإعلامي، بشكل يخدم فرص إحراز تقدم ملموس في الملف.
وأضاف مسعود العربي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن اعتماد السرية في تدبير العملية السياسية لا يعني غياب الدينامية؛ بل يؤشر على وجود اتصالات ومشاورات متقدمة تتطلب قدرا كبيرا من التحفظ، خاصة في ظل تشابك المواقف الإقليمية والدولية المرتبطة بالنزاع، والحاجة إلى تهيئة الظروف المناسبة قبل الإعلان عن أية خطوات جديدة.
وأوضح عضو “الكوركاس” أن سرية المفاوضات ضرورية لتجنب التأويلات وضمان رضا الأطراف عن نتائج الحوار قبل الإعلان عنها، كما تهدف إلى عدم استباق الرأي العام أو أطراف أخرى نتائج المفاوضات.
وتابع المتحدث ذاته: “هذه المرحلة تُعد بداية لتنزيل ما تقرر في قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2797، وتشكل فرصة لإعادة رسم أفق جديد للمنطقة المغاربية، بشكل يضمن إقرار السلم والأمن، وتجاوز مرحلة النزاع، وتعزيز التنمية لشعوب المنطقة، وتقوية الموقع التفاوضي لدولها”.
وخلص المهتم بنزاع الصحراء المغربية إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية، عبر هذا الأسلوب المباشر والمنهجية الجديدة، تعمل بالتنسيق مع الأمم المتحدة لضمان التوازن بين الشرعية الدولية والفاعلية السياسية؛ ما يمنح المغرب موقعا قويا في المسار التفاوضي ويؤسس لشروط نجاح الحل السياسي.
من جانبه، سجل أبا علي أبا الشيخ، عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، أن تمسك ستافان دي ميستورا بمبدأ التحفظ وعدم الكشف عن فحوى المشاورات الجارية في رده ينسجم مع القواعد المعمول بها في مختلف المسارات التفاوضية الدولية، لافتا إلى أن السرية تعد عنصرا أساسيا لضمان نجاح أي مفاوضات معقدة وحساسة.
وأكد أبا علي، ضمن تصريح لهسبريس، أن هذا الالتزام لا يهم الوسيط الأممي وحده؛ بل يشمل أيضا الأطراف المعنية بالمفاوضات، تفاديا لأي تأثيرات خارجية قد تربك سير المشاورات أو تدفع نحو تأويلات سابقة لأوانها.
وأبرز عضو المجلس سالف الذكر أن “تسريب بعض مضامين الاتفاقات إلى وسائل الإعلام كان سببا مباشرا في إفشال تجارب تفاوضية عديدة عبر العالم”.
ولفت المصرح عينه أن التاريخ الحديث يقدم نماذج واضحة لمسارات نجحت أو حققت تقدما بفضل اعتماد قنوات تفاوض سرية، من بينها مفاوضات اتفاق أوسلو، موردا أن “المرحلة الحالية تتطلب عملا هادئا ومناقشة القضايا الخلافية بعيدا عن الصخب الإعلامي والضغوط المصاحبة له، خاصة أن المسار يتم بوساطة أممية وبدعم أمريكي”.
كما عرج عضو “الكوركاس”، خلال حديثه، على أن التصريحات الصادرة عن مسعد بولس أكدت في أكثر من مناسبة أن الإطار السياسي الواقعي للتوصل إلى حل عادل ودائم يتمثل في مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب، والمنسجم مع توجهات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ولا سيما القرار 2797، مبرزا أن “المرحلة الراهنة تهم مناقشة كيفية التنزيل العملي لهذا المقترح وشكله وضمانات تنفيذه”.
وأجمل أبا علي بالقول إن نجاح المسار التفاوضي يظل رهينا بالتزام جميع الأطراف والوسطاء بمنطق السرية والصمت البناء، إلى حين نضوج التفاهمات القادرة على إنهاء النزاع وفتح أفق جديد للاستقرار والتنمية بالمنطقة.
المصدر:
هسبريس