قال الفيلسوف المغربي عبد السلام بنعبد العالي، عضو أكاديمية المملكة المغربية، في نقاش استقبله معرض النشر والكتاب بالرباط حول موضوع “النشر الورقي والنشر الرقمي”، إنه “قبل النشر الإلكتروني كانت الأعراف مثبتة (…) وكان منبر الكتابة يحدد قيمة الكتابة، وشكلها، وحتى مضمونها، وهدف نشرها (…) وقبلنا حدد الناس قيمة ما يكتب بناء على المادة والحامل الذي تكتب عليه (…) فكان اختلاف الاستجابة باختلاف الحامل حسب الجاحظ”.
وتابع: “الكتابة الإلكترونية اليوم أصبحت ترسخ عوائد جديدة، أولها اعتمادها ذاكرة مستقلة عن ذاكرة الكاتب، فحتى إذا أراد الكاتب إتلاف النص فللشبكة ذاكرتها، ويدخل بعدها المكتوب في سلسلة التناسخ، ويتقاسم المنبرَ مع كتاب آخرين لا قبل له بهم (…) وترسخ الكتابة الإلكترونية علاقة جديدة بين الكاتب والقارئ والناقد (…) مع سيولة نقدية مخالفة لما عهد من قبل؛ فتكاد النقود تظهر مع حواشيها، مع التمتع بقدر كبير من الحرية عكس رقابات النص الورقي عادة (…) والقدرة على معرفة قدر الإعجابات والنقد السلبي، مع تفاعل بين الكاتب الإلكتروني والناشر يغدو أكثر اتساعا”.
لكن، “صار خطنا يتراجع (…) وتتبدل العلاقة مع الكتابة والزمن والتفاعل؛ فكأنها مجلات يومية (…) صارت تجد صداها في ذهنية النص، الذي صارت له خفته، بخلاف النص الورقي الأثقل (…) فلا روابط حميمية مع النشر الرقمي، عكس الكتاب المقتنى والمتملك الذي يصير نسخة خاصة بصاحبه (…) أما العلاقة بالرقمي فهي علاقة ولوج، ولا نملك إلا الإطلال عليه، ويقلص المكتوب إلى قيمته المعلوماتية، بلا عمر وبلا مكان ولا غلاف ولا حتى ناشر (…) لا يمكن إهداؤه وتوقيعه…”.
ثم ذكر بنعبد العالي أن “الملكية أمر حميمي؛ أما السلع الاستهلاكية الحالية فهي بلا بطانة وجدانية، محملة بمشاعر وحمولة جاهزة، ولا تولد بتفاعل يرسخ مع الوقت”، وهي بنت “الحياة المعاصرة التي لم تعد تستهلك أشياء بل معلومات، ومجتمع التجربة والتواصل الذي يفضل الوجود على الامتلاك الذي نعيش فيه”، وبالتالي “النسخ الرقمية لا تتفرد، فهي ملك للجميع دون أن تكون ملكا لأحد”.
من جهته، توقف حسن الوزاني، خبير في مجال الكتاب أستاذ جامعي، عند فوائد النشر الرقمي الذي “يخفض تكلفة الإنتاج مقارنة بالورقي، وهو سريع التوزيع والوصول العالمي، وقابل للتحديث السريع، واستعمال متنوع للوسائط، وصديق للبيئة نسبيا، ويضمن تفاعل القارئ”، وقسم علاقة الكتاب والناشرين المغاربة معه إلى أربعة مراحل: أولها قلة الوعي بالنشر الرقمي مع ضعف البنية التحتية الرقمية بين التسعينات ومطلع الألفينات، وفي آخرها مرحلة بدأت تشهد مبادرات فردية للنشر الرقمي، من بينها قصيدة مغربية نشرت في سنة 2005 باللغة العربية، والمرحلة الثانية بين سنتي 2009 و2014، مع برنامج حكومي أول يهتم بالموضوع، ثم ثالثة باهتمام حكومي منهجي، والمرحلة الأخيرة التي نعيشها فيها وعي الناشرين بالنشر الرقمي، خاصة في ظل تسريع التحول الرقمي بعد جائحة 2020.
لكن رغم هذا الوعي، فإن “الكتب الرقمية بالمغرب أغلبيتها من ناشرين مؤسساتيين رسميين”، في ظل “عدم توازن لغوي”، حيث تتصدر المنشورات الرقمية اللغة الفرنسية، ثم العربية، أما الأمازيغية فلا تتجاوز سقف الاثنين في المائة.
كما أن المنشورات الرقمية تتصدرها “الدراسات الاقتصادية بأكثر من النصف، ثم الدراسات الاجتماعية بعشرين في المائة، ولو كان الأدب سباقا لهذا النشر في البداية”، مع “مسافة بين القراء المفترضين، نظرا لنسبة التعليم، والقراء الفعليين في المغرب”.
أما جمال بوطيب، أستاذ جامعي وناشر، فتحدث عن الفرق بين الكتاب الرقمي والكتاب المصور، وصيغ النشر الإلكتروني، ونبه إلى مسألة التزام الناشرين بدفاتر تحملات تضبط علاقتهم بالنشر الورقي، وبما ينشرونه.
ومن بين ما ذكره الناشر أن “الكتاب المغاربة يساهمون في تدمير كتبهم وهم يتيحونها رقميا مباشرة بعد نشرها”، قبل أن يعدّد أشكالا للنشر الإلكتروني، وضرورة اعتبار القارئ أيضا، و”محاولة هيكلة القطاع (…) من اتحاد الناشرين المغاربة، وعبر التوعية، وحماية حقوق الكتاب”.
وذكر محمد رضوان، مسير الموعد المنظم خلال الدورة 31 من المعرض الدولي للنشر والكتاب بالعاصمة، أن هموم وانشغالات الناشرين بين النشر الرقمي والنشر التقليدي الورقي ليست جديدة؛ فـ”صناعة النشر كانت دائما قلقة من كل تغير جديد”، واستقدم من التاريخ استشهادات منذ الانتقال من المخطوط إلى الطباعة الآلية، وتدمير المطبعة من طرف الصناع الباريسيين، بل وتشبيهها بالعاهرة، والدعوة لمنعها.
المصدر:
هسبريس