آخر الأخبار

لماذا نجحت وأخفقنا؟.. باحث مغربي يكشف “الوصفة السرية” لنهضة اليابان التي تجاهلها العرب

شارك

فكك الباحث وأستاذ العلوم السياسية بالكلية متعددة التخصصات بتازة، سلمان بونعمان، في كتاب موسوعي من جزأين، أسباب النهضة الحضارية اليابانية، موضحا أنها نتيجة مسار حضاري طويل وتراكمات داخلية عميقة، وليست “معجزة” صنعتها صدمة الغرب، كما ساءل، على ضوء هذه التجربة، أسباب إخفاق العالم العربي.

الكتاب، الذي اختار له بونعمان عنوان “النهضة اليابانية.. دراسة في تجربة المصالحة بين الهوية والحداثة”، جرى تقديمه وتوقيعه خلال ندوة احتضنها، يوم الأحد 3 ماي، رواق جامعة سيدي محمد بن عبد الله ضمن فعاليات المعرض الدولي للكتاب بالرباط، بمشاركة المهندس والخبير الدولي نور الدين لشهب، والأساتذة الجامعيين نور الدين جلال، وأحلام بوقديدة، ووديع الهامل، ومحمد الشريف بنخي.

ويفسر الكتاب، بحسب ما ورد في مقدمتي جزأيه الأول والثاني، النهضة اليابانية بوصفها ثمرة مسار حضاري طويل وتراكمات داخلية عميقة، لا “معجزة” مفاجئة صنعتها صدمة الغرب أو تقليد نماذجه. كما سعى المؤلف إلى تفكيك جذور هذه النهضة منذ عصر توكوغاوا، مبرزا دور الهوية والثقافة والقيم والتعليم والتنظيم الاجتماعي في بناء الحداثة اليابانية من الداخل، عبر نموذج تفسيري حضاري سماه “الفراشة الحضارية”.

وعلى ضوء هذه التجربة الملهمة، ناقش الأستاذ الجامعي سلمان بونعمان سؤال النهضة العربية والإسلامية، داعيا إلى تجاوز الانبهار السطحي بالتجارب الناجحة أو استنساخها بشكل شكلي، نحو فهم عميق لقوانين التراكم الحضاري وإمكان المصالحة بين الهوية والحداثة. كما سعى إلى تحرير النقاش من ثنائية الاستلاب والانغلاق، وفتح أفق ثالث يعيد بناء سؤال النهضة من جذوره.

وكشف بونعمان أنه انشغل فكريا بالتجربة اليابانية منذ أكثر من 25 سنة، حين كان تلميذا، قبل أن يتطور هذا الاهتمام تدريجيا. وأبرز تأثره بمحاضرات وكتب عدد من المفكرين والباحثين، من قبيل المقرئ الإدريسي أبو زيد، والمهدي المنجرة، ومحمد محمود سفر، وجودت سعيد، ورؤوف عباس، وإدوين رايشاور، وغيرهم، من خلال قراءات متدرجة سمحت له بتكوين صورة أولية عن التجربة اليابانية.

مصدر الصورة

وواصل بونعمان بحثه وتنقيبه في الموضوع، حيث ألقى سنة 2005 بمدينة المحمدية محاضرة فكرية حول النهضة اليابانية والدروس المستفادة منها، قبل أن يصدر سنة 2012 كتابه “التجربة اليابانية: دراسة في أسس النموذج النهضوي”، الذي سعى من خلاله إلى تقديم هذه التجربة للقارئ العربي وتقريبها من الأجيال الشابة، عبر صياغة جامعة وموجزة تستوعب عصر توكوغاوا (1603-1868) ومرحلة الميجي (1868-1912)، وتحلل مسار تحول اليابان إلى قوة صناعية واقتصادية وعسكرية في مطلع القرن العشرين.

وفي كتابه الجديد “النهضة اليابانية.. دراسة في تجربة المصالحة بين الهوية والحداثة”، تناول بونعمان تمييزا مفاهيميا يقوم على التفريق بين “القدرة الحضارية” و”التمكن الحضاري”. ويقصد بالقدرة الحضارية “امتلاك الأمة لخميرة النهوض، بما تنطوي عليه من قدرات نفسية دافعة، ووعي حضاري ممتد، وطاقات فكرية وبشرية كامنة في وعي الأمة الطامحة إلى النهضة”، معتبرا أن الأمة تستطيع النهوض من كبوتها ما دامت تحتفظ بهذه القدرة على تجديد المسار وإحياء روحها.

أما “التمكن الحضاري”، فيعرفه المؤلف بأنه “التحقق الشكلي بأدوات التنمية ووسائلها، وتحصيل مظاهر التقدم المادية منفصلة عن قدرة حضارية ممتدة وروح تغذيها وتحفظ وهجها”. ومن هذه الزاوية، يرى الكاتب أن أمة ما قد تبلغ درجة عالية من التمكن المادي، لكنها تفقد قدرتها الحضارية، فتسير تدريجيا نحو الذبول والانقراض الحضاري.

وخلص بونعمان إلى أن “المعجزة اليابانية” التي يتردد صداها في العالم ليست سوى ثمرة مسار طويل نضج عبر قرون من المخاض الداخلي الهادئ، بعيدا عن أي احتكاك “ساحر” بالحضارة الأوروبية أو تقليد مباشر لنماذج جاهزة مستوردة من الصين أو الغرب.

مصدر الصورة

ويعود الإنجاز الحضاري الياباني، بحسب الكتاب، إلى جذور ضاربة في عمق التاريخ تشكلت ببطء على مدى ثلاثة قرون قبل أن تظهر نتائجها سنة 1868، وتمتد هذه الجذور إلى عصر توكوغاوا، الممتد بين 1603 و1868، حيث تشكلت تراكمات حضارية هادئة شملت السياسة والإدارة والتعليم والاقتصاد والثقافة، ومنحت التجربة اليابانية طابعها الخاص ونفسها التاريخي الفريد.

واعتبر الكاتب أن فترة توكوغاوا شكلت القاعدة الصلبة التي قام عليها الصرح النهضوي الياباني في مطلع القرن التاسع عشر، والمشتل الحضاري الذي نمت فيه أدوات التحديث. فقد كانت تلك المرحلة، بحسب تصوره، ورشة كبرى للنضج الداخلي، تراكمت خلالها الخبرات، وتطورت المؤسسات، وتهذب الذوق العام، ونمت بذور الوعي الحضاري الجديد.

ويخالف هذا التصور بشكل واضح الفكرة الشائعة التي تربط انطلاق النهضة اليابانية بصدمة الغرب. ووفق هذه القراءة، تستعيد التجربة اليابانية معقوليتها التاريخية، وتتخلص من طابع “الإعجاز” الذي أضفته عليها بعض القراءات السطحية، لتعود إلى موقعها الطبيعي ضمن التجارب الإنسانية الكبرى التي صنعت نهضتها بأيديها وعلى مهل التاريخ.

ويفسر بونعمان النهضة اليابانية باعتبارها تفاعلا نسقيا بين الدولة والمجتمع والنخب، عبر تحول تدريجي مر بثلاثة أطوار قبل أن يتجلى في صورته الميجية الباهرة. ومن خلال هذا النموذج، يستحضر الكاتب التجربة اليابانية لمساءلة المأزق العربي الإسلامي، سعيا إلى تجاوز ثنائية الاستلاب والانغلاق، وفتح أفق فكري جديد يعيد بناء سؤال النهضة من جذوره.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا