أجمع مسؤولون قضائيون وخبراء ماليون على أن تخليق الحياة العامة ومكافحة الفساد يمثلان خيارا استراتيجيا للمملكة المغربية، مؤكدين أن حماية المرفق العمومي وتوطيد المسار الديمقراطي رهينان بتفعيل المقاربة الزجرية والوقائية، وربط المسؤولية بالمحاسبة وفق رؤية قانونية ومؤسساتية متكاملة.
جاء ذلك، خلال ندوة علمية احتضنها الرواق المشترك بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، ضمن فعاليات تمحورت حول “دور القضاء في تخليق الحياة العامة”، وذلك في إطار برنامج علمي يواكب قضايا الحكامة وتعزيز دولة الحق والقانون.
وتندرج هذه الندوة ضمن سلسلة لقاءات تسعى إلى إبراز انخراط المؤسسة القضائية في حماية الأمن القانوني، من خلال مناقشة آليات مكافحة الفساد المالي وترسيخ مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وأكد الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بمراكش، خالد كردودي، أن الجرائم المالية تمثل تحديا مركزيا للاقتصاد الوطني، نظرا لتأثيرها المباشر على المرفق العمومي وإعاقة البرامج التنموية.
مكافحة الجرائم المالية
وأبرز انخراط المغرب في الجهود الدولية لمكافحة الفساد، خاصة عبر المصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة ذات الصلة، إلى جانب تطوير المنظومة القانونية الوطنية، بما يشمل قوانين غسل الأموال وحماية المبلغين وإحداث مؤسسات متخصصة.
وأوضح أن فعالية مكافحة هذه الجرائم تقتضي اعتماد مقاربة متكاملة تقوم على الترابط بين الحجز والمصادرة والبحث المالي الموازي، باعتبارها حلقات مترابطة لا يمكن فصلها.
وأشار إلى أن المصادرة، كعقوبة مالية، تظل رهينة بإجراءات الحجز المبنية بدورها على نتائج البحث المالي الموازي، الذي يمكن من تحديد الأموال والممتلكات المتحصلة من أنشطة غير مشروعة.
وسجل أن المشرع المغربي أقر الطابع الإلزامي للمصادرة في عدد من الجرائم، خاصة المرتبطة باختلاس الأموال العامة وغسل الأموال، بهدف استرجاع العائدات غير المشروعة لفائدة الدولة، مبرزا أن المقاربة الحالية لم تعد تقتصر على متابعة الأشخاص، بل تركز أساسا على استرجاع الأموال المنهوبة.
كما اعتبر أن البحث المالي الموازي يشكل أداة حاسمة في كشف الامتدادات الخفية للجريمة المالية، من خلال تتبع حركة الأموال وتحليل مصادرها وتحديد المستفيدين الفعليين منها، اعتمادا على معطيات صادرة عن المؤسسات المالية والتصريحات بالاشتباه والسجلات الرسمية والمصادر المفتوحة.
وشدد على أن نجاح هذه الآلية رهين بتعزيز التنسيق بين النيابة العامة والشرطة القضائية والهيئات المالية، إلى جانب توظيف التكنولوجيا الحديثة وتكثيف التعاون الدولي، بالنظر للطابع العابر للحدود الذي يميز هذا النوع من الجرائم.
ضمان نزاهة الانتخابات
من جهته، أبرز عبد العزيز الغزاوي، رئيس شعبة القضاء الإداري بقطب القضاء المتخصص بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، أن تخليق الممارسة الانتخابية يشكل رهانا دستوريا يعكس مستوى الثقة في المسار الديمقراطي. وأوضح أن الانتخابات أضحت منظومة قانونية متكاملة تهدف إلى ضمان التعبير الحر والنزيه عن إرادة الناخبين.
وأشار إلى أن القضاء الإداري يضطلع بدور محوري في تأطير العملية الانتخابية بمختلف مراحلها، بدءًا من القيد في اللوائح الانتخابية وصولا إلى إعلان النتائج وما يليها، مستندا إلى اجتهادات قضائية، خاصة تلك الصادرة عن محكمة النقض، التي أسهمت في ضبط شروط القيد والإقامة وتحديد معايير الأهلية وتأطير الطعون.
وأضاف أن القضاء ساهم أيضا في تخليق مرحلتي الترشح والحملة الانتخابية، عبر ضبط شروط الترشح وموانعه وضمان تكافؤ الفرص بين المترشحين. وأكد اعتماد مقاربة متوازنة في معالجة المخالفات الانتخابية، بحيث لا يتم إلغاء النتائج إلا إذا ثبت تأثير الخروقات بشكل فعلي على مخرجات الاقتراع، خصوصا في حالات التدليس.
ويمتد دور القضاء، بحسب المتدخل، إلى ما بعد إعلان النتائج، من خلال مراقبة سلوك المنتخبين وتفعيل آليات العزل والتجريد في حالات تنازع المصالح أو الإخلال بواجبات التدبير، بما يهدف إلى حماية المرفق العمومي وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
المحاكم المالية بين الزجر والوقاية
بدوره، استعرض شفيق البهوي، رئيس فرع الغرفة الرابعة بالمجلس الأعلى للحسابات، ملامح المقاربة المغربية في تخليق الحياة العامة، معتبرا أن هذا المفهوم يتجاوز مجرد غياب الجريمة إلى ترسيخ استقامة الممارسة التدبيرية وجعل المصلحة العامة أساس القرار الإداري.
وأوضح أن الرقابة المالية تقوم على شقين متكاملين: قضائي يركز على الزجر ومعاقبة المخالفات، وغير قضائي يهتم بمراقبة التسيير وتقييم الأداء واستشراف الاختلالات، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات.
وفي هذا الإطار، أبرز دور “مراقبة التسيير” كآلية شمولية للكشف المبكر عن الاختلالات وضمان شفافية العمليات المالية، إلى جانب نظام التصريح بالممتلكات كأداة وقائية لوضع الذمة المالية للمسؤولين تحت الرقابة، مشيرًا إلى تسجيل مئات الآلاف من التصاريح منذ اعتماد هذا النظام، مع تفعيل إجراءات صارمة في حق المخالفين.
كما شدد على أهمية دور المجلس في مراقبة تمويل الأحزاب السياسية وتدقيق نفقات الحملات الانتخابية، إلى جانب تتبع تنفيذ التوصيات، بما يضمن الانتقال من مجرد رصد الاختلالات إلى تحقيق إصلاحات فعلية في تدبير المال العام.
من جانبه، أكد جمال حاحو، المحامي العام بالمجلس الأعلى للحسابات، أن تخليق الحياة العامة يرتبط عكسيا بانتشار الفساد، موضحا أن المحاكم المالية تعتمد على مؤشرات تحليلية لرصد الاختلالات، من بينها ما يعرف بـ”مثلث الاحتيال” القائم على الضغط والفرص والتبرير.
وأشار إلى أن الاختصاصات الزجرية للمحاكم المالية تهدف إلى تحقيق الردع وحماية قواعد المالية العمومية، من خلال فرض غرامات وإلزام المسؤولين بإرجاع الأموال المختلسة.
كما حذر من مخاطر “التسيير بحكم الواقع”، الذي يتم خارج الضوابط القانونية ويؤدي إلى تبديد المال العام، مؤكدا أن مرتكبيه يخضعون للمساءلة وإرجاع الأموال من ذمتهم الخاصة.
وتحدث المحام العام بمجلس الحسابات عن التداخل بين المخالفات المالية والجرائم الجنائية، مبرزا أن بعض الأفعال قد تشكل أساسا للإحالة على القضاء الجنائي، وفقًا للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل، بما يعزز مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
خيار استراتيجي وإصلاح أخلاقي
وأكد عبد الرحمن الشرقاوي، الأستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن تخليق الحياة العامة يمثل خيارا استراتيجيا راسخا في السياسات العمومية بالمغرب، مستندا إلى مرجعيات دستورية وخطابات ملكية منذ سنة 1999، تعلي من شأن القيم الأخلاقية في تدبير الشأن العام.
وأشار إلى أن دستور 2011 كرس استقلال السلطة القضائية وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما عزز دور المؤسسات الرقابية، في إطار منظومة متكاملة تشمل المجلس الأعلى للسلطة القضائية والمجلس الأعلى للحسابات وهيئات النزاهة.
واعتبر أن التحول نحو قضاء متخصص في الجرائم المالية يعكس تطور التجربة المغربية في ملاءمة التشريعات مع المعايير الدولية، غير أن التحدي الأساسي، بحسبه، يظل أخلاقيا بالدرجة الأولى، داعيا إلى ترسيخ قيم النزاهة من خلال التربية والتكوين والإعلام.
وسجل أستاذ القانون الخاص بجامعة الرباط، أن بناء مواطنة مسؤولة يمر عبر إحياء الضمير المجتمعي، باعتباره ركيزة أساسية لإنجاح كل الإصلاحات القانونية والمؤسساتية.
المصدر:
العمق