وجّه نواب برلمانيون انتقادات حادة لوزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي، معتبرين أن السياسات الحكومية في قطاع الكهرباء بالعالم القروي لم تحقق “الإنصاف الطاقي” الموعود، ومتهمين الوزارة بالعجز عن معالجة الاختلالات وتدهور البنية التحتية وغياب الشفافية في الصفقات الكبرى، بما يتناقض مع الشعارات الحكومية حول تعميم التغطية وتحقيق الرفاه في الوسط القروي.
في هذا الإطار، وجهت النائبة البرلمانية نعيمة الفتحاوي، عضو المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، انتقادات حادة لوزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، بخصوص الاختلالات التي يعرفها قطاع الكهرباء في المناطق القروية والجبلية، مؤكدة أن الساكنة لا تزال تعاني من غياب “الإنصاف الطاقي” رغم الشعارات الحكومية حول التعميم والرفاه.
وتساءلت الفتحاوي عن معايير الحكامة في تدبير الصفقات الضخمة المتعلقة بقطاع الكهرباء، واصفة إياها بالصفقات “الموجهة”، مطالبة بالكشف عن الجهات المستحوذة على هذه المشاريع، في ظل غياب المنافسة والشفافية، متسائلة عن مصير الميزانيات المرصودة للصيانة التي لا يظهر لها أثر ملموس في الواقع.
وتوقفت النائبة عند “المعاناة اليومية” لساكنة العالم القروي مع الارتفاع غير المبرر في فواتير الاستهلاك، مشيرة إلى أن مبالغ الفواتير وصلت في بعض المناطق إلى مستويات قياسية (بين 500 و7000 درهم)، وهي أرقام تفوق بكثير القدرة الشرائية والمداخيل الهزيلة للأسر القروية والجبلية.
كما نبهت الفتحاوي إلى تدهور البنية التحتية الكهربائية، متحدثة عن “أسلاك متساقطة ومحولات تحترق”، وأعمدة كهربائية متهالكة تشكل خطرا حقيقيا على حياة المواطنين، وخاصة التلاميذ في مساراتهم الدراسية، محملة الحكومة المسؤولية عن التبعات الناتجة عن هذه المخاطر.
وفيما يخص “المكتب الوطني للكهرباء”، انتقدت النائبة غياب التحفيزات لإعفاء الساكنة من الرسوم، وفرض شروط تعجيزية لربط وتوسيع الشبكة في الجماعات الترابية، معتبرة أن الحكومة “عجزت” عن تحويل الحق في الكهرباء من مجرد ربط شكلي إلى خدمة عمومية آمنة ومستقرة، متسائلة باستنكار: “إلى متى ستظل ساكنة العالم القروي تعيش في الظلام؟”.
من جهته، أوضح النائب البرلماني عن الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، أن العديد من الجماعات والدواوير القروية، خاصة بالمناطق الهامشية، لا تزال تعاني من انقطاعات متكررة وغير مبرمجة للكهرباء، دون إشعار مسبق، ما يزيد من معاناة الساكنة ويؤثر على ظروف عيشها اليومية.
وسلط أدراق الضوء، على سبيل المثال، على الوضع بإقليم تطوان، وبالخصوص جماعة بني سعيد، حيث تعيش عدة دواوير، من بينها إهارموشن وإزمورت وإكرديدا وجامع الزهر وإديداين، على وقع مشاكل متكررة مرتبطة بانقطاع الكهرباء وتساقط الأعمدة والأسلاك الكهربائية.
واعتبر البرلماني الاتحادي أن هذه الوضعية تُدخل هذه المناطق في “ظلام دائم”، داعيا إلى ضرورة التدخل العاجل لإصلاح الأعطاب المسجلة، وتأهيل البنيات التحتية الكهربائية، ورفع ما وصفه بـ”الحيف” عن الساكنة القروية.
وأكد على ضرورة إعطاء هذا الملف العناية اللازمة خلال ما تبقى من الولاية الحكومية، والعمل على معالجة إشكالات الربط الكهربائي بالعالم القروي بشكل شامل ومستعجل.
وفي تعقيبها، أكدت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، أن الحكومة تعمل على تنزيل برنامج جديد للكهرباء القروية الشمولية، أطلقت عليه اسم “PERG 2.0”، بهدف تسريع تعميم الولوج إلى الكهرباء في المناطق النائية، مع التحكم في الكلفة وتحسين جودة الخدمة. وأوضحت، خلال مداخلة لها بمجلس النواب، أن إيصال الكهرباء إلى آخر التجمعات السكنية القروية يطرح تحديات مالية وتقنية كبيرة، ما يستدعي اعتماد نماذج مبتكرة وأكثر نجاعة.
وأبرزت الوزيرة أن التجارب التي أعقبت الزلزال الأخير مكنت من اختبار حلول بديلة، خاصة في مجال الطاقة الشمسية المدعومة بالبطاريات، حيث أبانت هذه النماذج عن جدوى اقتصادية وتقنية مهمة، خصوصًا في الدواوير البعيدة التي يصعب ربطها بالشبكة التقليدية. وأضافت أن هذه المقاربة تندرج ضمن رؤية شمولية لضمان استدامة التزويد بالطاقة وتقليص الفوارق المجالية.
في السياق ذاته، أشارت بنعلي إلى أن المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب خصص غلافا ماليا يفوق 270 مليون درهم للفترة ما بين 2022 و2026، من أجل صيانة الشبكة وتعويض الأعمدة المتلاشية. كما لفتت إلى أن تدبير توزيع الكهرباء أصبح اليوم من اختصاص الشركات الجهوية متعددة الخدمات، التي تواكبها الوزارة لتنزيل هذا الورش، مؤكدة أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال إلى نماذج مجمعة ومندمجة لضمان تعميم كهرباء قروية ذات جودة وكلفة معقولة.
وأضافت أن خدمة الكهرباء تعد خدمة عمومية أساسية، مشددة على أنها لا يمكن تقييمها خارج سياق الجهود والاستثمارات الكبرى التي بذلتها الدولة في هذا القطاع، معتبرة أن التشكيك في مبدأ الإنصاف والتفاني في تقديم خدمات الكهرباء من طرف المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب أو شركات التدبير المفوض “أمر غير مقبول”، مبرزة أن ما تم تحقيقه من تغطية كهربائية في الوسط القروي، والتي بلغت مستويات متقدمة، لم يكن ليتحقق لولا استثمارات ضخمة ومستمرة.
وأشارت بنعلي إلى أن السياسة العمومية في مجال الكهرباء والماء ارتكزت على توجه استراتيجي طويل المدى، تُرجم عبر استثمارات كبرى، من بينها برنامج يروم تعزيز الخدمات على المستوى الترابي في إطار ورش الجهوية المتقدمة، بميزانية تقارب 210 مليار درهم.
كما دعت الوزيرة إلى ضرورة التحلي بالدقة في النقاش البرلماني حول انقطاعات الكهرباء، مبرزة وجوب التمييز بين الانقطاعات المبرمجة وغير المبرمجة، وكذلك بين حالات الربط القانوني وتلك المرتبطة بظواهر الربط غير القانوني، مؤكدة أن خلط هذه المعطيات يؤدي إلى إرباك النقاش العمومي.
وشددت المتحدثة، على أن قطاعي الكهرباء والماء يظلان من الملفات ذات الارتباط المباشر بحياة المواطنين، ما يفرض مقاربة مسؤولة وتدرجًا في التقييم، في إطار استمرارية الاستراتيجيات الوطنية المعتمدة منذ عقود.
المصدر:
العمق