آخر الأخبار

“لوموند”: زحف الرمال وزراعة البطيخ يضعان الواحات المغربية على حافة التراجع

شارك

أفادت صحيفة “لوموند” الفرنسية بأن الواحات المغربية، خاصة في الجنوب الشرقي، تواجه تهديدات متزايدة تهدد استمراريتها، في ظل اشتداد المنافسة مع الزراعات المستنزفة للمياه، وعلى رأسها زراعة البطيخ، إلى جانب التوسع المتسارع للتصحر.

وأوضحت الصحيفة أن واحات وادي درعة، التي تضم آلاف أشجار النخيل، باتت تعاني من نقص حاد في الموارد المائية نتيجة توالي سنوات الجفاف، فضلا عن الضغط المتزايد لبعض الزراعات على الفرشات المائية الجوفية، في وقت أصبح فيه زحف الرمال على هذه الجزر الخضراء العريقة، في بعض المناطق، ظاهرة لا رجعة فيها.

وأضافت الصحيفة أنه في واحة محاميد الغزلان، الواقعة على تخوم الجنوب الشرقي، بدأت ملامح التدهور البيئي تتجلى بوضوح، حيث فقدت أشجار النخيل لونها الأخضر الذي كان يميزها في السابق، كما نقلت عن حليم السباعي، البالغ من العمر 55 سنة، وهو مدير مهرجان “زمان” الموسيقي المرتبط بثقافة الصحراء وأحد الوجوه الثقافية المحلية، قوله إن “الرمال تتقدم يوما بعد يوم مع هبوب الرياح، فيما تموت الواحة تدريجيا”، مشيرا إلى أن ملاحظة هذا التدهور لا تتطلب خبرة متخصصة.

وتابعت لوموند أن التوغل في مسالك الواحة الضيقة يكشف عن مشهد وصفته بـ”شبه الكارثي”، حيث تنتشر مئات جذوع النخيل اليابسة وسط كثبان رملية صغيرة، بعدما احترقت سعفها أو اختفت بالكامل، حيث استحضرت الصحيفة على لسان المتحدث ذاته ذكرياته في هذه المنطقة، قائلا: “كانت هذه المساحات في طفولتنا ملعبا لنا، وكنا نجمع التمور هنا وسط غطاء نباتي كثيف، لكنها اليوم تحولت إلى ما يشبه المقبرة”.

وأكدت الصحيفة أن هذا الوضع لم يكن دائما على هذه الدرجة من القتامة، موضحة أنه إلى حدود بداية تسعينيات القرن الماضي، كانت المياه تتدفق طيلة السنة عبر مجرى وادي درعة، الذي يمتد على نحو ألف كيلومتر من جبال الأطلس الكبير إلى تخوم الصحراء.

وأبرزت أن النظام البيئي الواحي كان آنذاك متوازنا بشكل كبير، حيث كانت الزراعة التقليدية تقوم على تدرج ثلاثي الطبقات، يجمع بين نخيل التمر في الأعلى، وأشجار فاكهة أصغر في الوسط، ثم زراعات خضرية قريبة من سطح الأرض، وهو ما كان يضمن سبل عيش شريحة واسعة من السكان المحليين.

ولا تقتصر الأزمة على الجانب البيئي وحده، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية واقتصادية تعمّق هشاشة المنظومة الواحية وتزيد من صعوبة إنقاذها، فالتراجع المستمر في الموارد المائية وتدهور الغطاء النباتي لم يعد مجرد مؤشر بيئي، بل أصبح عاملا مباشرا في إعادة تشكيل أنماط العيش داخل هذه المناطق، ودفع جزء من السكان نحو الهجرة الداخلية أو التخلي التدريجي عن الأنشطة الفلاحية التقليدية.

وأدى انهيار المنظومة الزراعية التقليدية القائمة على النخيل والزراعات البينية إلى فقدان مصدر العيش الأساسي لعدد كبير من الأسر، ومع تقلص المردودية الفلاحية، تراجعت جاذبية العمل الزراعي لدى الأجيال الشابة، التي باتت تميل أكثر نحو البحث عن فرص عمل في المدن أو في قطاعات غير فلاحية. هذا التحول ساهم في إضعاف نقل الخبرات المرتبطة بالزراعة الواحية، والتي كانت تعتمد على تراكم معرفي تقليدي دقيق في تدبير المياه وتقسيمها وصيانة السواقي والأنظمة المحلية.

كما أدى هذا التحول الاجتماعي إلى تفكك جزئي للنسيج القروي الواحي، حيث أصبحت بعض الدواوير تعاني من فراغ بشري تدريجي خلال فترات معينة من السنة، ما ينعكس بدوره على القدرة الجماعية على صيانة البنية التحتية الزراعية التقليدية، وعلى رأسها أنظمة الري القديمة التي كانت تشكل شريان الحياة في الواحة.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا