آخر الأخبار

وسيط المملكة يرهن الانتقال نحو “الدولة المنصة” بـ”يقظة قانونية” تضبط هيمنة الذكاء الاصطناعي

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

أكد وسيط المملكة، حسن طارق، أن التحولات المتسارعة التي تفرضها الرقمنة والذكاء الاصطناعي على عمل الإدارة العمومية تستدعي يقظة قانونية ومؤسساتية جماعية، مشدداً على أن هذه المرحلة تطرح أسئلة عميقة تمس جوهر الدولة ووظائفها التقليدية.

جاء ذلك في كلمة افتتاحية ألقاها خلال ملتقى أكاديمي نظمته شعبة القانون العام بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السيوسي بالرباط، بحضور مسؤولين قضائيين وأساتذة جامعيين وطلبة وباحثين، وحول حكامة المرافق العمومية في عصر الابتكار والذكاء الاصطناعي.

وأوضح طارق أن موضوع الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد نقاش نظري، بل أصبح واقعا يفرض نفسه بقوة على بنية الدولة، مبرزا أن النقاش الأكاديمي انتقل من الحديث عن “الدولة المتدخلة” و”الدولة الضابطة” إلى مفهوم جديد هو “الدولة المنصة”، حيث تعاد صياغة العلاقة بين الإدارة والمواطن في ظل التحول الرقمي.

وأضاف أن هذا التحول لا يقتصر على الوسائل، بل يمتد إلى طبيعة القرار الإداري ذاته، الذي أصبح في كثير من الحالات نتاجا لمنظومات تقنية معقدة قائمة على الخوارزميات والتصميمات الرقمية، ما يفرز آثارا قانونية وإدارية جديدة تستوجب التأمل والمعالجة.

وتساءل وسيط المملكة عن مدى قدرة القاضي الإداري على فحص مشروعية قرارات صادرة عن أنظمة خوارزمية معقدة، كما طرح إشكالية تعامل مؤسسات الوساطة مع شكايات ترتبط بقرارات تقنية قد تنطوي على اختلالات أو تعسف، مؤكداً أن هذه الأسئلة أصبحت مطروحة بإلحاح في التجارب المقارنة.

وأشار إلى أن الاجتهادات القضائية والفقهية، خاصة في الدول القريبة من المغرب من حيث المرجعية القانونية والإدارية، تتجه نحو ضرورة إرساء تأطير قانوني صارم لهذا التحول، قائم على مبادئ ومعايير واضحة تضمن التوازن بين النجاعة التقنية واحترام الحقوق.

وفي هذا الإطار، دعا طارق إلى مقاربة الموضوع بمسافة نقدية، معتبرا أن الجامعة تمثل الفضاء الأنسب لإنتاج هذا التفكير المتوازن، ومحذرا من الانسياق وراء الخطاب التبسيطي الذي يروّج للذكاء الاصطناعي كحل شامل لمشاكل الإدارة وعلاقتها بالمواطنين.

وحدد مجموعة من المبادئ التي يرى ضرورة اعتمادها في هذا المسار، في مقدمتها مبدأ “قابلية التفسير”، الذي يفرض على الإدارة ضمان وضوح المسار الذي تنتج من خلاله قراراتها الخوارزمية، بحيث تكون مفهومة وقابلة للتدقيق من طرف القضاء ومؤسسات الوساطة.

كما شدد على مبدأ “شفافية المعايير”، مبرزا أن الإدارة لا ينبغي أن تختبئ وراء التعقيد التقني لإخفاء الأسس التي تعتمدها في اتخاذ قراراتها، خاصة في ظل ما يعرف بالتحيز الخوارزمي، الذي قد يعكس اختيارات قيمية أو أخلاقية غير معلنة.

ومن بين المبادئ التي توقف عندها أيضا وسيط المملكة، مبدأ “القابلية للفحص التقني”، حيث لم يعد كافيا إخضاع القرار الإداري للرقابة القانونية فقط، بل أصبح من الضروري إخضاعه كذلك لتقييم تقني يضمن سلامة أدائه ونجاعته.

وأكد في السياق ذاته على مبدأ “المسؤولية”، مشددا على أن الإدارة تظل مسؤولة عن قراراتها حتى وإن تم إنتاجها عبر أنظمة أو شركات خارجية، ولا يمكنها التذرع بالطابع التقني للتنصل من التزاماتها القانونية.

كما أبرز أهمية مبدأ “اللمسة البشرية”، داعيا إلى عدم ترك المجال بالكامل للأنظمة الآلية في اتخاذ القرار الإداري، وضرورة الإبقاء على رقابة بشرية تضمن إدماج قيم مثل الإنصاف والنزاهة والضمير المهني، وهي قيم اعتبرها غير قابلة للاختزال في خوارزميات.

وأشار طارق إلى أن الإدارة العمومية تحتاج بالفعل إلى الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي والرقمنة لتحسين أدائها، لكنها في المقابل مطالبة بالحفاظ على البعد الإنساني في تعاملها مع المواطنين، بما يضمن الثقة والعدالة.

وسجل سيط المملكة أن هذا التحول الرقمي يشكل تحديا عالميا لا يمكن تجاهله أو الالتفاف عليه، لكنه يتطلب مواكبة نقدية ومسؤولة، بعيداً عن منطق الانبهار بالتكنولوجيا، معتبرا أن الحلول الحقيقية تظل في جوهرها إنسانية، وأن الرهان الأساسي يكمن في تحقيق توازن دقيق بين التطور التقني وصون القيم الإنسانية في الإدارة العمومية.

كما نوه حسن طارق بالدور الذي تضطلع به كليات الحقوق في مواكبة هذه التحولات، مثمناً انفتاحها على القضايا الراهنة وإسهامها في تأطير النقاش العمومي حول الإصلاحات القانونية والإدارية التي تعرفها المملكة.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا