في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المجال الرقمي، برزت تحديات جديدة تطرحها هذه الدينامية على القواعد المنظمة للعملية الانتخابية. فقد أفرز الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي وتطور أدوات الذكاء الاصطناعي أنماطا جديدة من التواصل السياسي، لم تعد منحصرة في الفترات الرسمية للحملات الانتخابية، ما يثير تساؤلات حول مدى ملاءمة الإطار القانوني الحالي لمواكبة هذا التحول.
وفي هذا السياق، يتزايد النقاش حول حدود القوانين الانتخابية وقدرتها على ضبط الممارسات المرتبطة بالتأثير الرقمي، خاصة في ما يتعلق بمبدأ تكافؤ الفرص وتحديد المسؤوليات. كما يطرح هذا الواقع إشكالات مرتبطة بتعريف الحملة الانتخابية وضبط زمنها، في ظل حضور رقمي مستمر للفاعلين السياسيين.
وتعليقا على الموضوع، كشف الخبير في التحول الرقمي بمجال العدالة، رشيد أشنين، أن القوانين الانتخابية في المغرب تواجه تحديا حقيقيا في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، مبرزا أن هذه التشريعات لا تزال تقوم على تصور تقليدي يحدد للحملة الانتخابية زمنا معينا تفتح فيه المنافسة وتضبط خلاله وسائل التأثير لضمان تكافؤ الفرص، وهو تصور بات متجاوزا اليوم.
وأوضح أشنين في تصريح خص به جريدة “العمق”، أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي غير طبيعة الفعل السياسي بشكل جذري، حيث لم يعد الفاعل السياسي ينتظر فترة الحملة الرسمية لمخاطبة الناخبين، بل أصبح دائم الحضور لترسيخ صورته وصنع القرب من المواطنين، من خلال منشورات وفيديوهات وتدخلات إعلامية ومحتويات تبدو عفوية تصنع تأثيرا حقيقيا خارج التصنيف القانوني للحملات.
وأشار الخبير في التحول الرقمي إلى أن هذا الوضع يطرح إشكالا جوهريا حول مفهوم “الحملات الانتخابية السابقة لأوانها” الذي بات محل ارتباك واضح، مسجلا أن القانون صمم أساسا لضبط أفعال واضحة المعالم كالتجمعات والخطابات والملصقات، بينما يواجه اليوم ممارسات دعائية ناعمة ومتدرجة وغير مباشرة، يقدم بعضها في قوالب تواصلية وإعلامية يصعب فصلها عن الحق في حرية التعبير.
وأضاف المتحدث ذاته أن التعقيد لا يقتصر على الوسائل المستعملة بل يمتد إلى طبيعة الفاعلين في البيئة الرقمية، إذ لم يعد التأثير حكرا على الأحزاب السياسية والمرشحين، بل انخرطت فيه صفحات غير رسمية ومؤثرون وحسابات مجهولة، تعززها خوارزميات تضخم رسائل دون غيرها، مما يجعل عملية تحديد المسؤولية القانونية أمرا بالغ الصعوبة لغياب فاعل واضح يمكن مساءلته.
وتابع المصدر عينه مؤكدا أنه رغم تفاعل النقاش العمومي في المغرب مع هذه التحولات عبر الدعوات لتأطير الذكاء الاصطناعي ومكافحة التضليل الرقمي، إلا أن المقاربة المعتمدة لا تزال تميل إلى الطابع الزجري الذي يتعامل مع الانحرافات بعد وقوعها، في حين أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى ملاءمة الإطار القانوني الحالي لواقع مغاير تماما.
وأكد أشنين لجريدة “العمق” أن القانون الانتخابي يكتفي بقياس الزمن من خلال تحديد بداية الحملة ونهايتها وما يسمح به داخل هذه الفترة، بينما يصنع الواقع الرقمي تأثيرا تراكميا ومستمرا خارج هذا الحيز الزمني، وهو ما يفرز إشكالا ديمقراطيا دقيقا يمس بتكافؤ الفرص، على اعتبار أن من يملك حضورا رقميا قويا يبدأ حملته فعليا قبل الجميع دون أن يعتبر مخالفا للنصوص الجاري بها العمل.
ولفت الخبير الانتباه إلى أن السؤال المطروح اليوم يتجاوز كيفية منع الحملات السابقة لأوانها، ليصل إلى ضرورة إعادة التفكير في مفهوم الحملة الانتخابية نفسه، متسائلا عن جدوى البقاء رهائن لمنطق زمني تقليدي، مقابل الحاجة للانتقال نحو مقاربة أشمل تؤطر التأثير السياسي الرقمي ككل، وتضمن الشفافية وتحديد المسؤوليات وضبط أدوات الاستهداف الموجه للناخبين.
وخلص المصدر ذاته إلى أن القضية لا تتعلق بمجرد إجراء تحديث تقني للنصوص القانونية، بل تقتضي إدراكا عميقا بتغير قواعد اللعبة السياسية، حيث تحولت الحملة الانتخابية من حدث يبدأ وينتهي بقرار إداري إلى مسار مستمر يتشكل يوميا في الفضاء الرقمي، مشددا على أن التحدي الأكبر يكمن في إيجاد توازن بين قانون يقيس الزمن وواقع يصنع التأثير، بما يحمي نزاهة المنافسة ويحافظ على جوهر الديمقراطية.
المصدر:
العمق