لم يعد الحديث عن ندرة المياه في المغرب مجرد “أزمة عابرة” أو موسم جفاف طارئ، بل تحول إلى “واقع بنيوي” يفرض إعادة صياغة كاملة لنموذج التنمية الفلاحية. هذا ما أجمعت عليه مسؤولون وخبراء خلال ندوة علمية حول “الفلاحة في مواجهة ندرة المياه: التحديات ومسارات الصمود”، احتضنها اليوم الجمعة، المعرض الدولي للفلاحة بمكناس.
في هذا الإطار، أكد زكرياء اليعقوبي، مدير الري وتهيئة المجال الفلاحي بوزارة الفلاحة، أن ندرة المياه لم تعد ظرفية مرتبطة بدورات مناخية عابرة، بل أصبحت واقعا بنيويا يفرض إعادة التفكير في النموذج المائي الوطني.
وأوضح أن ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع التساقطات، وتوالي فترات الجفاف، كلها عوامل زادت من الضغط على الموارد المائية، ورفعت من حدة التنافس بين مختلف الاستعمالات.
وشدد اليعقوبي على أن تحقيق الصمود المائي لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية وطنية، خاصة أن الفلاحة المسقية، رغم أنها لا تمثل سوى أقل من 18% من المساحات الزراعية، تساهم بحوالي نصف القيمة المضافة الفلاحية. وهو ما يجعل تأمين مياه السقي مسألة حيوية لضمان الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.
ولمواجهة هذه التحديات، عرض المسؤول الحكومي خمسة محاور أساسية، في مقدمتها تأمين الموارد المائية عبر التخطيط الاستباقي، وتنويع مصادر المياه من خلال اللجوء إلى تحلية مياه البحر وتعزيز الربط بين الأحواض المائية.
كما دعا إلى تحسين النجاعة في استعمال المياه، وإرساء حكامة مستدامة للفرشات المائية، واعتماد مقاربة تكاملية تربط بين الماء والطاقة والغذاء. وخلص إلى أن المغرب أمام خيار حاسم: إما التكيف مع هذه التحولات أو مواجهة تداعياتها المتفاقمة.
من جهته، قدّم رياض بلاغي، مدير مشروع مبادرة Initiative AAA (Adaptation of African Agriculture)، قراءة تحليلية دقيقة للوضع المائي، استندت إلى معطيات مناخية تمتد من سنة 1946 إلى 2025.
وأبرز أن هذه البيانات تكشف عن تراجع واضح في التساقطات مقابل ارتفاع في درجات الحرارة ومعدلات التبخر، ما أدى إلى تفاقم العجز المائي بشكل مقلق.
وأشار بلاغي إلى أن المغرب يعيش منذ سنة 2016 مرحلة جديدة تتسم بتوالي سنوات جفاف غير مسبوقة، مؤكداً أن هذا الاتجاه مرشح للاستمرار وفق توقعات البنك الدولي، خاصة وأن حوض البحر الأبيض المتوسط يُصنف ضمن أكثر المناطق تأثرا بالتغير المناخي.
وحذر المتدخل من هشاشة القطاع الفلاحي، الذي يعتمد بشكل كبير على الأمطار، حيث تمثل الفلاحة البورية نحو 80% من المساحات المزروعة، ما يجعل الإنتاج الفلاحي رهيناً بالتقلبات المناخية.
كما نبه إلى انعكاسات هذه الوضعية على الدخل الفلاحي، وفرص الشغل، والتوازنات الاجتماعية، بما في ذلك الهجرة القروية.
وكشف أن القطاع الفلاحي يحتاج إلى ما بين 6 و8 مليارات متر مكعب من المياه سنوياً لضمان الحد الأدنى من الإنتاج، مع إمكانية بلوغ 12 مليار متر مكعب في سيناريو طموح.
ودعا المتحدث إلى اعتماد حلول متعددة، من بينها تحلية مياه البحر، وتحسين كفاءة استعمال المياه، وفصل الاستعمالات بين الماء المخصص للشرب والفلاحة والصناعة.
كما فند بلاغي بعض التصورات الشائعة حول “تصدير المياه”، موضحا أن المغرب في الواقع يستورد كميات أكبر بكثير من المياه الافتراضية عبر استيراد المنتجات الغذائية، خاصة الحبوب، من دول تعتمد على الزراعة المطرية.
على صعيد البحث العلمي، أكد رشيد مصدق، الباحث الرئيسي بـالمعهد الوطني للبحث الزراعي، أن الابتكار يمثل حجر الزاوية في مواجهة هذه التحديات.
وأوضح أن الأمن الغذائي بات مهدداً بشكل مباشر بفعل الضغط المتزايد على الموارد المائية، ما يستدعي تطوير حلول علمية متقدمة تتلاءم مع الخصوصيات المناخية والزراعية للمغرب.
وأشار إلى أن جهود البحث العلمي تندرج ضمن استراتيجية الجيل الأخضر 2020–2030، التي تهدف إلى بناء نموذج فلاحي أكثر مرونة ونجاعة، عبر تحسين إنتاجية المياه وتعزيز كفاءة استعمالها. وأبرز أن هذه المقاربة ترتكز على توفير معطيات دقيقة لدعم اتخاذ القرار، وتطوير تكنولوجيات مبتكرة، وضمان نقلها وتبنيها من طرف الفلاحين.
ودعا مصدق إلى إعادة النظر في النموذج الفلاحي الحالي، من خلال الانتقال من التركيز على “المياه الزرقاء” إلى تثمين “المياه الخضراء” المرتبطة بالأمطار، باعتبارها موردا استراتيجيا غير مستغل بالشكل الكافي.
كما شدد على أهمية تطوير أدوات التخطيط الفلاحي، مثل الخرائط الزراعية المندمجة التي تأخذ بعين الاعتبار التغيرات المناخية، بما يسمح بإعادة توزيع الزراعات وفق المعطيات الجديدة.
وفي السياق ذاته، نبه إلى تزايد مخاطر تدهور جودة المياه، خاصة ارتفاع الملوحة في بعض المناطق المسقية، داعياً إلى تعزيز أنظمة الرصد والمتابعة الميدانية، وتحيين المعطيات المتعلقة بحاجيات المزروعات من المياه.
وخلص المتدخلون إلى أن المغرب يقف اليوم أمام منعطف حاسم في تدبير موارده المائية. فبين ضغط التغير المناخي وتزايد الطلب على الماء، لم يعد هناك مجال للتأجيل.
وأكدوا عى أن الرهان الأساسي اليوم هو الانتقال إلى نموذج أكثر استدامة وابتكارا، يقوم على تعبئة جماعية تشمل الدولة، والباحثين، والقطاع الخاص، والفلاحين، لضمان الأمن المائي والغذائي للأجيال القادمة.
المصدر:
العمق