في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه أنظمة التقاعد بالمغرب، أجمع مسؤولون في القطاع على أن تحقيق الاستدامة المالية وضمان معاشات لائقة يفرضان تسريع وتيرة الإصلاحات، سواء على مستوى الأنظمة الأساسية أو من خلال تعزيز أدوار التقاعد التكميلي، في سياق يتسم بتحولات ديموغرافية واقتصادية عميقة تضغط على توازنات هذه الأنظمة.
وفي هذا السياق، أبرز رئيس قسم تنشيط الشبكة في الصندوق المغربي للتقاعد، حاتم بن ميلود، أن إصلاح سنة 2016 شكّل محطة مفصلية مكنت من كسب هامش زمني مهم وتقليص العجز، عبر مراجعة المساهمات، وتغيير طريقة احتساب المعاش، ورفع سن التقاعد، وهو ما ساهم في تمديد أفق نفاد الاحتياطيات إلى 2028 وتقليص العجز من نحو 700 مليار درهم إلى حوالي 350 مليار درهم.
بالموازاة مع ذلك، شدد المدير التنفيذي للصندوق المهني المغربي للتقاعد، جواد لمرابط، على أن التحديات البنيوية، خاصة المرتبطة بارتفاع أمد الحياة واختلال التوازن بين النشيطين والمتقاعدين، تجعل من بلوغ معاش لائق عبر النظام الأساسي وحده أمراً صعباً.
وأكد المتحدثان أن ضمان استدامة المنظومة يمر حتماً عبر مقاربة شمولية تقوم على إصلاح هيكلي عميق وتعزيز منظومة ثلاثية الركائز، تشمل التقاعد الأساسي والتكميلي والادخار الفردي، حيث يشكل التقاعد التكميلي رافعة أساسية لتحسين معدلات الاستبدال والاقتراب من المعايير الدولية المحددة في حدود 70 في المائة، خاصة في ظل الدور المتنامي للصناديق في تعبئة الادخار الوطني والاستثمار، بما يساهم في دعم التوازنات الاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل.
إصلاح 2016.. كسب للوقت وتقليص للعجز
أكد رئيس قسم تنشيط الشبكة في الصندوق المغربي للتقاعد، حاتم بن ميلود، أن مفهوم الاستدامة يظل في صلب أي نظام تقاعدي، باعتباره يعكس قدرة النظام على الوفاء بالتزاماته على المدى الطويل، مع امتلاكه لهامش كافٍ للتكيف مع الصدمات والتقلبات.
وأوضح أن هذا المفهوم يرتكز على عدة محددات أساسية، في مقدمتها العامل الديموغرافي، حيث يشهد النظام تزايداً مستمراً في عدد المتقاعدين مقابل عدد أقل من النشيطين، إلى جانب تأثير البطالة التي تختلف حدتها بين القطاعين العام والخاص، فضلاً عن ارتفاع أمد الحياة بفضل التقدم الطبي، وهو ما يطرح كلفة إضافية على أنظمة التقاعد، دون إغفال عامل السيولة المرتبط بتوفير الموارد اللازمة لتغطية الالتزامات.
وفي هذا الإطار، أبرز بن ميلود أن الصندوق المغربي للتقاعد عرف إصلاحاً مهماً سنة 2016، مكن من تصحيح مسار النظام عبر التدخل في ثلاثة معايير أساسية، شملت مراجعة المساهمات نحو الارتفاع، وتغيير طريقة احتساب المعاش التي كانت تعتمد على آخر راتب، إلى جانب تعديل سن الإحالة على التقاعد. واعتبر أن هذا الإصلاح المعياري كان فعالاً، إذ أتاح كسب هامش زمني مهم، حيث تم تمديد أفق نفاد الاحتياطيات من سنة 2021 إلى سنة 2028، كما سمح بإعادة معايرة نظام التسعير الذي كان يقوم على درهم مساهمة مقابل وعد بدرهمين كمعاش، ليصبح قائماً على مبدأ التوازن بدرهم مقابل درهم.
وأشار المتحدث إلى أن هذه الإجراءات مكنت من معالجة العجز الذي كان في حدود 700 مليار درهم، حيث تم تقليصه إلى حوالي 350 مليار درهم، مع إمكانية خفضه إلى مستويات أدنى مستقبلاً، مؤكداً في المقابل أن الصندوق لا يملك أي سلطة على العامل الديموغرافي، ما يجعل الانتقال إلى إصلاح هيكلي قيد النقاش أمراً ضرورياً لمعالجة الاختلالات بشكل أعمق وضمان استدامة النظام على المدى البعيد.
التقاعد التكميلي.. ركيزة لا غنى عنها لبلوغ معاش لائق
من جانبه، استحضر المدير التنفيذي للصندوق المهني المغربي للتقاعد، جواد لمرابط، البعد التاريخي للتقاعد التكميلي في المغرب، مبرزاً أنه يعود إلى سنة 1949، حين تم إحداث الصندوق في سياق كانت فيه الحاجة قائمة لضمان دخل بديل للأجراء في غياب بعض الأنظمة الأساسية آنذاك، ما يعكس قدم هذا الانشغال وأهميته في المنظومة الاجتماعية.
وأوضح لمرابط أن الصندوق المهني المغربي للتقاعد نجح في تدبير هذه المهمة رغم مروره بإصلاحات وصفها بالمؤلمة لكنها نموذجية، من بينها إصلاح سنة 2003 الذي تضمن مساهمات إضافية من طرف المقاولات دون توليد حقوق مقابلة، إلى جانب تجميد المعاشات لمدة سبع سنوات من 2003 إلى 2010، وتجميد قيمة نقطة التصفية، في إطار تقاسم التضحيات بين مختلف الأطراف المعنية.
وأكد المتحدث أن الهدف النهائي لأي نظام تقاعدي هو توفير معاشات لائقة، وهو ما يُقاس بمعدل الاستبدال الذي يمثل النسبة بين أول معاش وآخر راتب، مشيراً إلى أن المعايير الدولية تحدده في حدود 70 في المائة، غير أن بلوغ هذه النسبة عبر النظام الأساسي وحده يظل أمراً شبه مستحيل بسبب السقوف المفروضة، ما يجعل اللجوء إلى التقاعد التكميلي ضرورة حتمية ضمن منظومة ثلاثية الركائز تشمل النظام الأساسي، والتقاعد التكميلي، والادخار الفردي.
وأضاف أن الصندوق يدير محفظة مالية تفوق 125 مليار درهم مع متم سنة 2025، ويساهم في الدينامية الاقتصادية، مبرزاً أن ثلث المتقاعدين المستفيدين من معاشات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي هم أيضاً منخرطون في الصندوق المهني المغربي للتقاعد، ما يعكس دوره المحوري في استكمال المعاشات وتحسينها.
المصدر:
العمق