آخر الأخبار

بين شرعية المؤتمر وصعود الاصطفاف الرقمي في الاتحاد العام للشغالين بالمغرب

شارك

بقلم أحمد صبار

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد النقابي المغربي، يعود إلى الواجهة سؤال قديم بصيغة جديدة، من يصنع القرار داخل التنظيم النقابي؟ هل هي المؤسسات الشرعية وعلى رأسها المؤتمرات، أم أن موازين قوى جديدة تبنى خارجها، عبر البيانات الجهوية ومنصات التواصل الاجتماعي؟

هذا النقاش يكتسب راهنيته داخل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، الذراع النقابي التاريخي لـحزب الاستقلال، الحزب الذي ارتبط اسمه بمسار الحركة الوطنية بقيادة علال الفاسي، فبين إرث تنظيمي عريق ومتغيرات سياسية واجتماعية متسارعة، يبدو أن النقابة تعيش لحظة مفصلية تعيد طرح سؤال الشرعية بأبعاده المختلفة.

تقليديا، كانت الشرعية داخل النقابات تبنى على ثلاث ركائز أساسية، أولها المؤتمرات الوطنية باعتبارها أعلى سلطة تقريرية، القوانين الأساسية والداخلية، ثم الأجهزة المنتخبة التي تعكس تمثيلية القواعد.

غير أن ما يجري اليوم يوحي بتحول تدريجي نحو نمط مواز من إنتاج الشرعية، حيث لم تعد هذه الآليات وحدها كافية لحسم التوجهات، بل أصبحت محاطة بما يمكن تسميته بشرعية التأثير أو الضغط التنظيمي، حسب ما يفضل عدد من العاملين في الحقل النقابي تسميته.

في هذا السياق، يبرز البيان الصادر عن مكونات عدد من جهات المملكة، التي أعلنوا من خلالها دعمهم لأخيهم يوسف علاكوش لقيادة المرحلة المقبلة، كنموذج دال على هذه الدينامية، بيانات رقمية تعكس، من جهة، حيوية تنظيمية وانخراطا واسعا للقواعد، لكنه يطرح، من جهة أخرى، تساؤلات جوهرية حول حدود هذا الدعم حين يسبق النقاش المؤسساتي.

لا أحد يجادل في مشروعية التعبير عن المواقف داخل التنظيمات النقابية، بل إن ذلك يشكل أحد مظاهر الديمقراطية الداخلية، غير أن الإشكال يبرز عندما يتحول هذا التعبير إلى اصطفاف جماعي واسع، يسبق لحظة التداول داخل المؤسسات، ويوحي بإمكانية توجيه مخرجات المؤتمر سلفاً.

هنا يطفو على السطح خيط رفيع بين الدعمووالولاء،
فالدعم يفترض أن يكون نابعا من قناعة حرة تختبر داخل النقاش الديمقراطي، بينما يتحول إلى ولاء حين يصبح جزء من حملة تعبئة مسبقة، ترسم فيها النتائج قبل أن تناقش، فمن الناحية التنظيمية، يظل المؤتمر هو الإطار الأسمى لاتخاذ القرار داخل النقابة، لكن واقع الممارسة يكشف أن موازين القوى غالبا ما تبنى خارج قاعاته، عبر، بيانات جهوية متتالية، اصطفافات تنظيمية مسبقة وتعبئة رقمية متصاعدة
، وهو ما يجعل المؤتمر، في بعض الأحيان، أقرب إلى محطة للمصادقة على اختيارات تم إعدادها سلفا، بدل أن يكون فضاء مفتوحا للنقاش والحسم، وهنا يكمن التحدي الحقيقي، فكيف يمكن الحفاظ على مكانة المؤتمر كآلية تقريرية فعلية، لا مجرد واجهة شكلية؟

ما يحدث اليوم يمكن قراءته من زاويتين متقابلتين،
فإما باعتباره تجديدا في أدوات العمل النقابي، وانفتاحا على وسائل تواصل حديثة تتيح إشراكا أوسع للقواعد، أو باعتباره انزياحا تدريجيا عن جوهر الديمقراطية الداخلية، نحو منطق يقوم على الحشد والتأثير بدل التداول والاختيار الحر، وفي الحالتين، يظل النقاش مفتوحا حول طبيعة هذا التحول، وحدوده، وانعكاساته على مستقبل التنظيمات النقابية.

إن الرهان المطروح اليوم أمام الاتحاد العام للشغالين بالمغرب ليس فقط اختيار قيادة جديدة، بل إعادة تعريف قواعد اللعبة التنظيمية نفسها، فبين شرعية المؤسسات وشرعية القواعد، بين النقاش والتعبئة، وبين الديمقراطية والاصطفاف، يقف التنظيم أمام اختبار حقيقي، إما تحويل هذه الدينامية إلى فرصة للتجديد وتعزيز المشاركة،
أو السقوط في إعادة إنتاج نفس الممارسات بوسائل جديدة.

وفي زمن تتسارع فيه التحولات، يبقى السؤال معلقا،
هل نحن أمام ميلاد ممارسة نقابية أكثر انفتاحا وشفافية،
أم أمام انتقال ناعم نحو شرعية موازية تصنع خارج المؤسسات؟

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا